عدد الزيارات: 314

الأسرار السبعة


إعداد: الدكتور/ أحمد محمد زين المنّاوي
آخر تحديث: 24/09/2017 هـ 03-01-1439

ديانة يلفها الغموض وتستند إلى أسرار لا يحق الاطلاع عليها إلا لنفر من الناس.. ديانة يمسك بزمام أمرها نفر يدّعون أنهم يقفون وسطاء بين الله تعالى وعباده.. لا شكّ في أنها ديانة مشكوك في أمرها لا يؤمن بها إلا غافل أو متغافل عن الحق مغلوب على أمره.. أسرار النصرانية السبعة ضللت الكثيرين وتسببت في هداية آخرين من بينهم القس المصري فوزي صبحي سمعان ابن النصرانية وخادم الكنيسة، الذي استبدل التوحيد بالتثليث بالتوحيد، والمسجد بالكنيسة، والدعوة بالتنصير، فضلًا عن تحوله من وسيط مزعوم بين الله وعباده ليخلصهم من خطاياهم إلى عابد مخلص يرجو الخلاص لنفسه.

منذ صغره أخذ أبواه يعملان على تأهيله لكي يصبح قسًّا يغسل ذنوب الناس ويخلّصهم من خطاياهم بسماعه لاعترافاتهم وفضائحهم وأسرارهم وخصوصياتهم، لذلك ومنذ نعومة أظفاره كان يقف خلف قسّ كنيسة "ماري جرجس" بمدينة الزقازيق ليتشبّع بالعلم الكنسي وليعمل خادمًا للكنيسة، حتى يشب نصرانيًّا مفيدًا لمجتمعه ودينه.

وبالفعل أصبح الفتى فوزي خادمًا مخلصًا للكنيسة وكانت السعادة تغمر والديه وهما يريانه يتبع القس كظله وهو يحمل كأس النبيذ الكبيرة، أو دم المسيح كما يدعون ليسقي رواد الكنيسة ولينال "بركات" القس التي يحلم بها كل بني جلدته.

في أحد الأيام وداخل "كنيسة ماري جرجس" في مدينة الزقازيق المصرية انتفض الفتى فوزي صبحي سمعان بشدة حينما استمع إلى صوت قسيس الكنيسة وهو يناجي المسيح: "يا ابن الله يا مخلصنا وإلهنا".

تساءل في حيرة: كيف يمكن للمسيح أن يخلصنا إن كان عاجزًا عن تخليص نفسه من الصلب والتعذيب!؟

ظل الفتى يكبر ويكبر معه هذا السؤال الكبير المحير، بل تشعّب وتفرعت منه أسئلة محيرة أخرى حتى وجد عقله محاطًا بغابة من علامات الاستفهام!

دخل فوزي الكنيسة تظلله علامات الاستفهام وتتقدمه الحيرة الشديدة.. زادت حيرته عندما سمع القس يتحدث في ثقة مزيفة عن "أسرار الكنيسة السبعة".. تساءل في استنكار ثم بدأ يستعرض ما دفعه لهذا الاستنكار: عن أي أسرار سبعة يتحدثون؟

يتمثل السر الأول في "التعميد".. ذلك الطقس الذي يغمس فيه الطفل في الماء داخل الكنيسة فيصبح نصرانيًّا تابعًا ليسوع المسيح وتابعًا للكنيسة! وهنا يتساءل فوزي في استنكار: إن كان الطفل يولد فيجد أبويه نصرانيين فلماذا يحتاج إلى التعميد حتى يصبح نصرانيًّا؟!

يتمثل السر الثاني في "الاعتراف: وفيه يجلس النصراني المذنب أمام نصراني أكبر منه رتبة ليفضح نفسه ويعترف أمامه بتفاصيل المعاصي التي ارتكبها، ويضع الأخير عصاه على رأسه، ويتمتم بكلمات لا يكاد يسمعها غيره ليمنحه صك الغفران.. وهنا يتحدث فوزي عن حوار شائق دار بينه وبين طبيب نصراني: إن كان القس يغفر لي فمن يغفر للقس؟ فردّ عليه الطبيب قائلًا: البابا.. فسأله ثانية: ومن يغفر للبابا؟ رد عليه قائلًا: الله! فسأله في استنكار: إذًا لماذا نحتاج إلى وسيط؟ لماذا لا نعترف لله مباشرة ليغفر لنا؟! لماذا ننشر خطايانا وعيوبنا أمام الناس وقد سترها الله علينا؟!

السر الثالث هو "الشرب من دم المسيح"!! حيث يأتي النصراني للقس بالنبيذ ليصلي عليه ومن ثم يتحول حسب زعمهم إلى دم مبارك هو دم المسيح، ليشربه النصراني في منتهى الخشوع!! وهنا يتساءل فوزي في استنكار: إن كان المسيح هو المخلص فلماذا نشرب دمه؟ إذ يفترض أن نشرب فقط من دماء الأعداء!

يتمثل السر الرابع في ما يطلقون عليه "أكل لحم المسيح"!! قرابين يتم تصنيعها من الدقيق يرتل عليها القس فتتحول إلى جزء من جسد المسيح ليأكلها النصارى!! عندما يقف الكاهن أمام المائدة ويرفع يديه إلى السماء، يستدعي الروح القدس فيأتي ويلمس القرابين فتتحول إلى جسد المسيح!! جبريل –عليه السلام- وهو الروح القدس قيد إشارة الكاهن الذي يستطيع أن يستدعيه في أي لحظة!!

وهنا يتساءل فوزي في استنكار: إن كان المسيح هو إلهنا فلماذا نأكل لحمه؟!

يقول رحمة الله الهندي في كتابه "إظهار الحق"، لو صحّ اعتقاد النصارى في أكل لحم المسيح وشرب دمه، لزم أن يكون النصارى أخبث من اليهود! لأن اليهود آذوا المسيح وآلموه مرّة واحدة، ولم يأكلوا لحمه! أما النصارى فيؤلمون إلههم المسيح ويذبحونه ويأكلون لحمه ويشربون دمه كل يوم في شتى بقاع العالم! فإذا لم ينج من أيدي آكلي لحوم البشر هؤلاء إلههم الضعيف فمن ينج من بعده؟!

أما الأسرار الأخرى "الأب والابن والروح القدس" فهي خرافات لا يقبلها عقل سليم.

وبرغم صغر سنه كان يتعجب من فكرة الفداء ويتساءل في حيرة: كيف يمكن للسيد المسيح أن يصلب افتداءً لخطايا البشرية؟! وكيف يعذب شخص لذنوب ارتكبها غيره؟! ثم إذا كان المسيح هو الله وابن الله فلماذا لم يغفر تلك الخطايا بنفسه بدلًا من أن يقبل بوضعه معلقًا على الصليب؟! بل كيف يمكن أن يكون المسيح هو الله وابن الله في الوقت ذاته كما يزعمون أليس في هذا مجافاة للمنطق؟! أسئلة كثيرة ملحاحة كانت تدور بذهنه بيد أن عقله الغض آنذاك لم يكن قد وصل بعد درجة من النضج تمكّنه من التشكيك في صحة حادثة الصلب المزعومة، وهي من الأركان الرئيسية في عقيدة النصارى التي تم تحريفها بالكامل لخدمة أغراض دنيوية.

من ناحية ثانية لم يكن عقله الصغير مؤهلًا للخوض في دراسة الأديان التي ستمكّنه من فهم الحقائق على نحو واضح.. مع كل ذلك لم يجد أمامه من خيار سوى أن يواصل مكرهًا رحلته مع النصرانية، وأن يتبع القس كظله مرددًا كالببغاء ما يلقنونه له من عبارات مبهمة لا يستسيغ نطقها ولا يفهم معناها.

مرت الشهور والسنون وتحقق حلم والدي فوزي إذ أصبح ابنهما قسًّا يمنح الجميع، كبارًا وصغارًا ونساء ورجلًا، بركاته المزعومة، حيث يجلس على كرسي الاعتراف ويستمع لأدق أسرار حياتهم وفضائحهم، ثم يجود عليهم بغفران الذنوب نيابة عن الرّب! بينما يعجز هو عن الاعتراف بما يجول داخل نفسه من تساؤلات في النصرانية لو علم بها دهاقنتها لمارسوا عليه ما هو أعظم من الصلب.

لقرابة العشرة أعوام ظل القس فوزي يعاني صراعًا نفسيًّا عنيفًا، إذ كانت التساؤلات الحائرة تحاصره من كل صوب وهي تساؤلات لم يجد لها إجابات مقنعة برغم دراسته لعلم اللاهوت وانخراطه في سلك الكهنوت.. حاول في استماتة أن يقنع نفسه بتلك الإجابات الجاهزة التي ابتدعها سلفه من الأحبار قبل قرون عديدة ولقنوها لرجال دين مرتزقة حتى يردّوا بها على استفسارات العامة، وإن كانت تجافي الحقيقة الساطعة وتتعارض مع المنطق السليم.

كثرت شكوكه في النصرانية وتراكمت، بيد أن حرصه على مورد رزقه بالكنيسة كان يمنعه من أن يجاهر بتلك الشكوك، بينما أداؤه لوظيفته كان يفرض عليه أن يقدّم للناس مواعظ دينية هو غير مقتنع بها في الأساس، لإحساسه بأنها تقوم على غير أساس، ولم يكن أمامه في ظل هذه الظروف العصيبة إلا أن يعمل سرًّا وفي حماسة على دراسة الأديان الأخرى علّه يجد ما يبحث عنه من إجابات.

وبالفعل بدأ يقرأ بنهم العديد من الكتب الإسلامية، فضلًا عن اطلاعه على القرآن الكريم.. انهمرت الدموع من عينيه عندما قرأ قوله تعالى:

وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) المائدة

عندما قرأ "فوزي" هاتين الآيتين أحس بجسده يرتعش بشدة إذ وجدهما تشتملان على إجابات صادقة ومقنعة للعديد من الأسئلة الملحاحة المحيرة التي لم يجد لها إجابات من قبل.. ثم توقف متأملًا قوله تعالى:

إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) آل عمران

انبهر بشدة عندما وجد أن القرآن الكريم يؤكد بشرية عيسى -عليه السلام-، ويبيّن أنه نبي مرسل لبني إسرائيل، ومكلف رسالة محددة كغيره من الرسل.. إيضاحات جليّة ومهمة ومقنعة لم يقرأها في الأناجيل المحرفة التي طالما قرأها وطالما قدم مضامينها كمواعظ لبني جنسه من العوام.

وقفة مع النفس أتاحتها له فترة تجنيده لأداء الخدمة العسكرية غيّرت مسار حياته تمامًا إذ قادته قدماه في أحد أيام تلك الفترة لدخول كنيسة في مدينة الإسماعيلية.. فما أن دخل الكنيسة حتى وجد نفسه ودون وعي منه يسجد سجود المسلمين.. بكى بحرقة حتى تذوق طعم الدمع في حلقه.. أخذ يناجي ربه ويدعوه بأن يلهمه السداد، ويهديه إلى الدين الحق.. عندما رفع رأسه من السجود كان قد قرر اعتناق الإسلام.

وقبل أن يغادر الكنيسة توقف أمام القس، ووجّه له بعض التساؤلات، وبدلًا من أن يجيب عن تساؤلاته سأله مستنكرًا: هل تقرأ القرآن؟ فأجابه فوزي قائلًا: نعم! صرخ القس في وجهه كمن أصابه مسّ من الجنون: نحن فقط يسمح لنا بقراءة القرآن أما أنت والعامة من الناس فلا يحق لكم ذلك! خرج فوزي من الكنيسة حانقًا وأخذ يبحث في شغف مقارنًا بين الإسلام والنصرانية، وبين الأناجيل المحرفة والقرآن الكريم، ولم يجد أمامه من بدّ سوى أن يشهر إسلامه بعد أن توصل إلى أنه هو دين الله الحنيف.

وخوفًا من بطش أهله أشهر إسلامه بعيدًا عن قريته وأطلق على نفسه اسم "فوزي صبحي عبدالرحمن المهدي".. لكن ما أن علمت أسرته بخبر اعتناقه الإسلام حتى عارضته بشدة وأضمرت له العداء الصارخ، وتكالب عليه إخوته الذين فجعوا في إسلامه واتخذوا قرارًا يقضي بقتله بحجة عصيانه الرب وإهانته الكنيسة.. ساندتهم في ذلك الكنيسة كما وقف معهم بقية الرعايا النصارى الذين تضايقوا من خبر إسلام القس الذي كان حتى وقت قريب يعترفون أمامه بخطاياهم.. لم يهتم فوزي بمعارضة الأهل والكنيسة بل أخذ يدعو ربه أن ينقذ والده وإخوته ويهديهم إلى طريق الإسلام.. لقد تألم بشدة لموت والدته على دين النصرانية.. بيد أن العزاء جاءه بإسلام والده وشقيقته.

عندما علم فوزي بالتآمر عليه هرب من قريته فهيأ الله له فرصة للعمل مدرسًا للدين الإسلامي في مدارس منارات جدة بالمملكة العربية السعودية.. ووالده توفاه الله تعالى بعد عام ونصف العام من إسلامه، بينما تزوجت شقيقته من شاب نصراني هداه الله للإسلام، فاعتنقه وصار داعية له، وعمل إمامًا لأحد المساجد بمدينة الدوحة بدولة قطر..

سلسلة من دخول الأهل إلى الإسلام..

سلسلة من الهجرة بدين الله.. إلى الله.. في أرض الله..

حقًّا.. "أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا"؟!!..

هاجروا.. اهجروا أي شيء.. أي شخص.. أي فكر أو عقيدة تحجب النور عنكم.. تحجبكم عن الهدى إلى الله..

اسألوا الله الهداية.. فبالله نهتدي إلى الله.

--------------

المصادر:

ابن علي، أبو إسلام أحمد (1429 هـ)؛ عادوا إلى الفطرة: 70 قصة حقيقية مؤثرة؛ مكتبة صيد الفوائد http://www.saaid.net

الطويل، محمد ناصر (1414 هـ)؛ إسلام القساوسة والحاخامات؛ الرياض: دار طويق للنشر والتوزيع.

محمود، عبد الرحمن (2005)؛ رحلة إيمانية مع رجال ونساء أسلموا؛ المكتبة الإسلامية الشاملة.

معدِّي، الحسيني الحسيني (2009)؛ الإنجيل قادني إلى الإسلام؛ حلب: دار الكتاب العربي.

 


تعليقات (
0
)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.