عدد الزيارات: 427

الخطأ المفيد


إعداد: الدكتور/ أحمد محمد زين المنّاوي
آخر تحديث: 05/03/2018 هـ 17-06-1439

نعم.. "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ"..

قرب الله منا هو سبب هدايتنا.. لا أحد يستطيع نفعك أو ضرّك إلا بإذن من الله.. ولا أنت نفسك!!

قد يسخّر الله لهدايتك ما لا يتخيله عقل.. طفل صغير.. مشهد في فيلم.. فقرة في كتاب.. جملة في خطبة.. خريطة للجغرافيا.. أي شيء تستهين به ولا علاقة له بالدّين قد يكون سببًا في إيمانك!!

إنه الله من سخّرها لك.. سبحانه..

فاغتنم الفرصة.. اتبع الهدى.. اتبع النور الذي أرسله الله لك..

بطل قصتنا لاحظ أول ما لاحظ.. خريطة.. مجرد خريطة قادته إلى الإسلام!!

سبقت ولادته في ولاية ميزوري الأمريكية اندلاع الحرب العالمية الثانية بعشرة أشهر..

قضى طفولته الباكرة في مزرعة العائلة حيث تشبعت ذاكرته بمرأى جبال الأوزارك الشامخة وهي تحرس سهول ميزوري العظيمة وتتغزل في جمال مزارعها الفسيحة الغامرة الخضرة.

لم يعش والده طويلًا عقب ولادته، فربّته والدته مع بقية إخوته تربية جيدة أعانتها عليها شخصيتها المميزة التي تتمتع بالصرامة والتدين في الوقت ذاته.

عاش "محمد طاهر" البدايات الأولى من حياته في هذه البيئة الطبيعية ذات المزارع الفسيحة فجعله ذلك يشعر بالوحدة، إذ إن أقرب جار لهم وهو جدته تسكن على بعد ميلين من منزلهم شديد الاتساع، وقد ازداد شعوره بهذه الوحدة عندما غادر كل من شقيقته وأخيه المنزل وتركاه يلوك مرارة العزلة.. أكسبه هذا الوضع شخصية مميزة ذات درجة عالية من الاستقلال لا تتناسب مع سنه الغضة.

عندما بلغ الخامسة من عمره اكتشف العالم الكبير من حوله، وذلك عندما عثر داخل إحدى غرف المنزل المهجورة على موسوعة تحتوي على خارطة للعالم.. بهرته الخريطة كثيرًا بألوانها المتباينة الجذابة التي تميز كل بلد عن غيره.. أكثر ما شده في عالمه الكبير الصغير هذا لون وردي خصص في الخريطة بمنطقة تسمى (الإمبراطورية العثمانية).. في فترة لاحقة وهو في الصف الرابع من دراسته تفحص بدقة خريطة أخرى للإمبراطورية العثمانية.. حببت له هذه الخرائط مادة الجغرافيا وفي هذه الأخيرة أصبح شغوفًا بشعب وادي دجلة والفرات.

عندما وصل إلى الصف السادس وهو في الثانية عشرة من عمره دفعه خطأ معلمته المعمدانية في حصة التاريخ إلى تعرّف الإسلام والحرص على جمع أكثر قدر من المعلومات عنه.

كانوا آنذاك يدرسون العصور الوسطى، وكان هناك في الكتاب المقرر صفحتان تتحدثان عن "محمد" وعن انتشار (المحمدية).. رشحت من لسان معلمتهم كلمات مريرة لم يقدر على ابتلاعها إذ قالت لهم وهي تتحدث عن المسلمين: "في الوقت الذي نؤمن فيه نحن النصارى بأن عيسى ابن الله، فهم يؤمنون بأن محمدًا هو ابن الله"!

رفع يومذاك يده وسألها قائلًا في استنكار: "ولمَ لا؟ إذا كان المسيح عيسى هو ابن الله فلست أفهم لماذا لا يكون محمد ابن الله أيضًا؟!".

لم يتلق إجابة عن سؤاله، واستنفدت المعلمة ما تبقى من حصة التاريخ في الحديث عن النظام الإقطاعي في أوروبا، ومع ذلك ظل موضوع الإسلام يدور في ذهنه فصمم بينه وبين نفسه أن يعرف المزيد عن "محمد" الذي قالت عنه معلمة التاريخ إنه أيضًا ابن الله!

بدأ بحثه بمكتبة المدرسة الصغيرة قبل أن يوسع دائرة بحثه.. فرح كثيرًا وشعر بالاطمئنان عندما توصل إلى أن المسلمين يرون أن محمدًا وعيسى -عليهما الصلاة والسلام- عبدان من عباد الله المخلصين، ورسولان كريمان أرسلهما الله تعالى بهدف دعوة عباده إلى دينه الحق، وعلى النقيض من حديث مدرّسة التاريخ!

في يوم من الأيام وتحديدًا في يوم سبت لا ينساه، وبينما كان يتجول مع والدته في سوق المدينة عثر على طبعة جيب من كتاب (المحمدية) للمؤرخ الإنجليزي الكبير "أ. ر. جب".. اشترى الكتاب في لهفة وقرأه لعدة مرّات في شغف شديد.. ما شدّه في الكتاب الآيات القرآنية المترجمة الى الإنجليزية التي أوردها المؤلف.. حفظ بطل قصتنا الكثير من تلك الآيات.

ومن الآيات التي ظل يرددها كثيرًا وهو يجلس في كل ليلة عند نافذة غرفته ويتأمل السماء المرصعة بالنجوم الآية الكريمة التي يقول فيها الله تعالى:

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) البقرة

شعر حينها أن التواصل مع الله تعالى لا يحتاج إلى وسيط.. وفي إحدى الليالي وبعد قراءته لهذه الآية الكريمة أحس بأنه أصبح مسلمًا! على الرغم من أنه لم يتجاوز الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمره، ولم يسبق له أن قابل مسلمًا في حياته.. لم يمر وقت طويل على ذلك الموقف حتى اعتنق بطل قصتنا الإسلام بصورة رسمية وأطلق على نفسه اسم محمد طاهر.

عقب إشهاره لإسلامه سافر محمد طاهر إلى الكويت وبداخله تمور رغبة عارمة لتعلم المزيد عن الإسلام.. وفي أحد مساجد الكويت أصبح محمد طاهر تلميذًا مواظبًا لداعية إسلامي معروف.. وبعد مرور عام أو يزيد قضاها بطل قصتنا مع شيخه وهو ينهل من علوم الإسلام عاد إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث أنشأ في مدينة واشنطن عام 1970 جمعية إسلامية أطلق عليها اسم (جمعية الفرص الإسلامية اللامحدودة) بهدف تقديم الإسلام إلى الشعب الأمريكي، خاصة شريحة الشباب، بأسلوب يستطيعون فهمه واستيعابه.

لم يكتف محمد طاهر بإنشاء الجمعية فحسب بل اضطلع بمهمة الدفاع عن الإسلام والدعوة إليه والترغيب فيه، كما أصدر نشرة تحمل عنوان (Islamic Items) وهي نشرة تبنى فيها القضايا العربية والإسلامية ودافع عنها بقوة، كما أخذ يرد على كتابات الصهاينة في الصحافة الأمريكية، وهو نشاط محفوف بالمخاطر لاقى في سبيله التهديد والوعيد.. كما أخذ يدعو غير المسلمين إلى الإسلام.. كان محمد طاهر يقوم بكل تلك الأنشطة على نفقته الخاصة بالتعاون مع بعض الشباب المتحمسين من أمثاله..

جهود وجهود لا تتوقف.. عطاء بلا حساب.. صدق لا يعرف الزيف أو الرياء..

إنه حال المسلمين الجدد.. الذين يدخلون الإسلام بعد بحث وتأمل ودراسة.. فيكون الهدى والإخلاص في خدمته!

الإسلام لا يحتاج إلى خدمته.. من يخدمه يخدم نفسه في الأساس والحقيقة!!

فهو دين الله المتكفل بحفظه ونشره حتى يأتي اليوم الذي يسود العالم وينتشر الحق والخير على الكرة الأرضية!!

أنت من يحتاج إلى الإسلام.. فأسلم تحفظ عليك نفسك وتنجها من الهلاك!

اسأل الله الهداية.. فبالله نهتدي إلى الله.

--------------------------------

المصدر:

العشّي، عرفات كامل (2001)؛ رجال ونساء أسلموا؛ القاهرة: المكتب المصري الحديث.

 


تعليقات (
0
)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.