عدد الزيارات: 293

المشهد الباهر


إعداد: الدكتور/ أحمد محمد زين المنّاوي
آخر تحديث: 20/03/2019 هـ 07-05-1440

الصدفة.. حدث يحسبه البشر كذلك..

الحقيقة.. لا صدفة في كون الله!!..

إنها إرادة الله المدبرة لكل صغيرة وكبيرة في حياة الإنسان..

هو الذي "يدبر" للإنسان "الصدفة" التي تقوده من حياة إلى حياة.. فقط أروا الله منكم خيرًا.. ابحثوا عنه.. سيهديكم..

هذا وعد الله لكل من أقبل على دراسة الإسلام بتجرد ودون تعصب مسبق لمذهب أو دين..

سيصل في نهاية الطريق إلى الحقائق الكونية المتعلقة بالإله والوحدانية والخلق والبعث، وغير ذلك من القضايا التي يتساءل عنها كل إنسان..

بطل قصتنا.. توماس كلايتون.. غربي قح ولد ونشأ في بيئة نصرانية بيد أنه ومنذ نعومة أظفاره ظل يشعر بأنه غريب عن تلك البيئة بقدر إحساسه بأنها غريبة عنه.. لفترة تراوحت بين ست وسبع من السنوات ظلت الكنيسة الأسقفية في إنجلترا تلقنه طقوسًا معقدة وتحشو رأسه بتعاليم غامضة عصية على الفهم وجامدة تتكسر دونها معاول المناقشة.. توصّل إلى حقيقة جلية مفادها أن النصرانية جعلت منه آلة صماء تنفذ ولا تفكر فبدأ يبحث عن البديل.

في أحد الأيام وبمحض المصادفة حدث له أمر باهر غيَّر حياته رأسًا على عقب.. عثر في مكتبة أحد أصدقائه على مؤلف للكاتب الإنجليزي النصراني "جورج سيل" يحوي ترجمة لمعاني القرآن الكريم باللغة الإنجليزية.. انفرد بنفسه وبدأ يقرأ الكتاب في شغف شديد.. على الرغم من أن الكتاب كان يغص بانتقادات مجحفة كان يهيلها مؤلفه "جورج سيل" للإسلام ورسوله الكريم، فإن معاني القرآن الكريم دخلت عقله وقلبه من أوسع الأبواب.

عقب تلك المصادفة الباهرة التي شكّلت علامة فارقة في حياته بدأ كلايتون يقرأ كل ما تقع عليه يده من المؤلفات الإسلامية.. توصل عبر تلك القراءات إلى حقائق مهمة.. فبرغم احتواء تلك الكتب على قدر كبير من الزيف والتشويه، لأن مؤلفيها كانوا يرمون إلى أن يبعدوا الناس عن فهم الإسلام وحبه، فإنها تشتمل على مقدار من الحق.. وبذلك أحس بطل هذه القصة وبحكمته أن الأمر ليس كما قرأه، ما جعله يشعر بمزيد من الحب للإسلام وتعاليمه.

لم يمر على قراءاته تلك زمن طويل حتى قدر لتوماس كلايتون أن يحضر المهرجان الكشفي العالمي الذي أقيم في مدينة مويسون الفرنسية في صيف عام 1947م. شارك في ذلك المهرجان أربعون ألف شاب كانوا يمثلون اثنين وأربعين بلدًا من بلاد العالم. التقى كلايتون في ذلك المهرجان بكشاف جزائري مسلم يدعى "مجدي جمال" أحبه من كل قلبه بل ظل صديقه الوفي.. كان جمال في نظر كلايتون مثالًا للشاب المسلم الصادق الذي يعتبر قدوة صالحة لنظرائه من فئة الشباب.. ويصرح بطل قصتنا بأنه استفاد كثيرًا من صحبة ذلك الشاب.

إلى جانب ما حصل عليه في المهرجان من معلومات عن الإسلام وجدها في بعض الكتب الغربية، اكتسب كلايتون نوعًا آخر ومهمًّا من المعرفة الإسلامية يتمثل في السلوك الحسن لبعض من التقاهم من المسلمين ومن بينهم صديقه الجزائري، حينها فقط أدرك أنه لا بدّ له من معرفة المزيد عن الإسلام والقيم والمبادئ التي يدعو إليها.

عندما عاد إلى بلاده عقب انتهاء المهرجان عقد كلايتون عزمه على أن يقرأ عن الإسلام من مصادره ومراجعه الأصلية، فبدأ رحلة جادة من البحث تمكن عبرها من العثور على عنوان لجمعية إسلامية تدعى "جمعية نشر الدعوة الإسلامية" في لاهور بباكستان. راسل تلك الجمعية فأرسلت له مؤلفات ثمينة تعرض الإسلام في صورته الحقيقية النقية.. تواصل بعدها مع داعية أمريكي مسلم وجد فيه مثالًا للمسلم الصالح الملتزم بتعاليم دينه فوقر الإيمان في قلبه.

في أحد الأيام التي لا تنسى وبينما كانت الشمس تميل عن كبد السماء سمع بطل قصتنا صوتًا عذبًا خاله غناء ولم يفهم معناه.. عندما تجاوز الطريق ودخل تحت مجموعة من الأشجار الوارفة الظلال وقع بصره على مشهد باهر!! رأى رجلًا عربيًّا أعمى، يرتدي الأبيض من الملابس النقية ويعتمر عمامة على رأسه.. كان الرجل يقف على برج خشبي عالٍ.. صوته الساحر الدفيء كان يتسامى في فضاء المنطقة وكأنه يقرع قبة السماء: الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله!

كلمات كالدرر لم يفهم كلايتون معناها بيد أن سحرها المدهش انساب إلى سويداء قلبه حتى خالها دخلته قبل أن تمر عبر أذنيه!

عقب ذلك ازدادت دهشة كلايتون ومن معه عندما رأوا أعدادًا كبيرة من الناس يتجمعون.. يختلفون في الأعمار والسحنات والملابس ويتفقون في انكسارهم الواضح الذي ينمّ عن الخشوع، إنهم أناس من مختلف الأعمار يرتدون ألوانًا شتى من الملابس، ويمثلون قطاعات الحياة كافة.. لاحظ كلايتون الجميع وهم يخلعون أحذيتهم وينتظمون في صفوف طويلة منتظمة ومتراصة لا تمييز فيها لأحد على أحد بغض النظر عن اختلاف الألوان والمراكز الاجتماعية سواء بالمال أو العلم أو الحسب أو النسب.. لا فرق بين غني وفقير ولا بين أبيض وأسود ولا بين عامل ووزير ولا بين تاجر ومتسول.. الجميع متباينون في الأعمار والمراكز الاجتماعية لكنهم متفقون في وحدة الصف وفي التزام العيون المنكسرة بموقع معين لا تملك مغادرته قيد أنملة ألا وهو الحصير المفروش أمام أصحابها.

ذلك المشهد الذي تجلت فيه روح الأخوة في أسمى معانيها نُحت في ذاكرة كلايتون ونُقش في قلبه بمداد من نور يصعب محوه بمرور السنين، كيف لا وقد كان سببًا في دخوله الإسلام!!

السبب.. فقط السبب.. وليس المسبب..

أما أنت.. فسيسبب لك الله سببًا للهداية عندما تثق بأنها بيده..

لذا.. اسأل الله الهداية.. فبالله نهتدي إلى الله.

----------------------------------------

المصادر:

العشّي، عرفات كامل (2001)؛ رجال ونساء أسلموا؛ القاهرة: المكتب المصري الحديث.

المقدّم، محمد أحمد إسماعيل (1994)؛ لماذا نصلي؟ الإسكندرية: دار العقيدة.

عثمان، محمد عثمان (2004)؛ لمَ أسلم هؤلاء الأجانب؟ (ثلاثة أجزاء)؛ سوريا: حلب: دار الرضوان.

 


تعليقات (
0
)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.