عدد الزيارات: 244

انتهى الأمر


إعداد: الدكتور/ أحمد محمد زين المنّاوي
آخر تحديث: 21/06/2019 هـ 17-10-1440

عندما تكون العقيدة صادقة..

وعندما يوافق فعل العبد عقيدته..

وعندما يتعامل المرء وكأنه في اختبار دائم..

فيكون حريصًا على النجاح كل لحظة في الاختبار..

يكون تأثير أفعاله للتعبير عن عقيدته والدعوة إليها عظيمًا ولا يقف أمامه أي شيء..

ففي فجر الإسلام الأوّل تمدد الإسلام وانتشر سريعًا في شتى أرجاء العالم، ليس فقط عبر الفتوحات والدعاة، وإنما عبر المبادئ السامية وفضائل الأخلاق التي كان يتعامل بها تجار المسلمين. فالمسلمون لم يذهبوا دعاة أو فاتحين إلى شرق آسيا وغرب أفريقيا والعديد من بقاع العالم الأخرى، وإنما ذهبوا إليها كتجار يحملون أخلاق الإسلام وتعاليمه السمحة.

فالتاجر العابد الصدوق الأمين الذي يسعى لربح الآخرة أكثر من بحثه عن الحظوظ الدنيوية الزائلة، يلعب دورًا مهمًّا وحاسمًا في نشر الإسلام، وهذا ما حدث بالفعل مع بطل قصتنا جاسون الذي هيأ له الله سبحانه وتعالى التعامل مع هذه الصفوة من التجار فكان سببًا في إسلامه.

جاسون أحد رجال الجيش الأمريكي الذين أرسلوا إلى شرق المملكة العربية السعودية أثناء حرب الخليج الثانية في بداية التسعينيات من القرن الماضي. وفي أحد الأيام كان جاسون يتسوق في مدينة الخبر السعودية، وبعد جولة طويلة مرّ خلالها على العديد من المحال التجارية، توقّف أمام محل تجاري وتناول إحدى السلع التي أعجبته.. لم يتفاوض كثيرًا على سعرها، بل مد يده إلى جيبه وأخرج حافظة نقوده لدفع ثمنها، وفي تلك اللحظة صدح صوت المؤذن من مسجد قريب ينادي للصلاة.. فالتفت التاجر إلى جاسون وقال له: "انتهى الأمر"! وهو يشير بقوله هذا إلى توقف عملية البيع والشراء عند النداء للصلاة!

قال التاجر هذه الجملة الحاسمة ثم خرج مسرعًا يقصد المسجد تاركًا جاسون ممسكًا بمحفظة نقوده غارقًا وسط أمواج من الدهشة ومحاطًا بغابة متشابكة من علامات التعجب!!

دار جاسون حول نفسه ثم هز رأسه وهو يتساءل: ما الذي حدث لهذا الرجل؟!

ما الذي دفع هذا الرجل إلى رفض المال؟!

ما هو هذا الدين الذي تتجاوز أولوياته الربح المادي في نظر معتنقيه؟!

لقد أحدث ذلك الموقف نقطة تحوّل فارقة في حياة جاسون، حيث بدأ بعدها رحلة البحث عن الإسلام. وقرّر بينه وبين نفسه أن يبذل الغالي والنفيس في سبيل تعميق معرفته بهذا الدين الذي يحبه معتنقوه أكثر من حبهم للربح المادي.

ازداد اهتمام هذا الرجل بهذا الدين، وبدأ يقرأ بشغف كل ما يقع بين يديه من كتب تتحدث عن الإسلام.. وشيئًا فشيئًا شرح الله صدره للإسلام، وفور عودته إلى مدينة نيويورك قرر اعتناق الإسلام، وسرعان ما تعلم الكثير عن هذا الدين وأصبح قادرًا على أداء عباداته وقراءة القرآن، كما أصبح حريصًا كل الحرص على تطبيق أوامر الإسلام والانتهاء عن نواهيه ومن قبل ذلك كله غير اسمه إلى "عبدالله".

عقب إشهار إسلامه انتقل عبد الله إلى مدينة ديترويت الأمريكية، وكان حريصًا على السكن على مقربة من مسجد "التوحيد"، وسرعان ما أتيحت له الفرصة ليصبح مؤذنًا في هذا المسجد، فكان عندما يحين وقت الصلاة يخرج إلى خارج المسجد ويؤذن في الشارع العام حتى يبلغ صوت الأذان أقصى مداه.

وهنا يقف هذا الرجل بين مشهدين، المشهد الأوّل في مدينة الخبر السعودية وجاسون النصراني مندهشًا لتصرّف التاجر المندفع صوب المسجد مستجيبًا لصوت الأذان وتاركًا كل شيء خلفه؛ والمشهد الآخر في مدينة ديترويت الأمريكية وعبدالله المسلم يصر على رفع الأذان في الشارع العام وليس من داخل المسجد.

لقد تعلم عبدالله اللغة العربية حتى يستطيع قراءة القرآن وتعلم الإسلام من مصادره الأصلية، وربى أولاده على تعاليم الإسلام وتلاوة القرآن، وأداء الصلاة في أوقاتها، كما أصبح داعية للإسلام، وبدأ الدعوة بعشيرته الأقربين، وأوّل من استجاب له زوجته وشقيقتاها.

ومن هذه القصة تبرز أهمية القدوة في الدعوة إلى الإسلام، فلا يكفي أن تبلّغ الناس عن الإسلام بلسانك، ولكن بلّغهم بأحوالك، باستقامتك وإخلاصك، بصدقك وأمانتك، بعفتك وتعففك، بحسن تعاملك، برحمتك ولطفك، بعفوك وصفحك. وإن تبليغ الناس بأحوالك أبلغ من تبليغهم بلسانك، لأن لغة العمل أبلغ من لغة القول، ولأن الناس يتعلَّمون بعيونهم ولا يتعلَّمون بآذانهم، وكما يقول المثل الأمريكي: "لا تقل لي ولكن أرني"..

ولكن.. أشرع نوافذ قلبك عندما ترى..

كن راصدًا للصدق.. مستشعرًا للإيمان الحق..

فإذا رصدته ونفذ إلى قلبك.. فاسأل الله الهداية.. فبالله نهتدي إلى الله.

-------------------

المصادر:

اللولو، هالة صلاح الدين (2005)؛ كيف أسلمت؟ دمشق: دار الفكر.

مقال بعنوان: "حكاية إسلام جندي أمريكي"، استرجع بتاريخ 5 أغسطس 2017، من منتديات عالم الرومانسية: http://forums.roro44.net

 


تعليقات (
0
)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.