عدد الزيارات: 18
0 تعليقات

ميشال الغريب


إعداد: الدكتور/ أحمد محمد زين المنّاوي
آخر تحديث: 19‏/02‏/2026 هـ 03-09-1447

برغم اختلاف الديانة.. فإن غير المسلمين الذين يعيشون في الدول العربية ينتمون إلى الثقافة الإسلامية!

فهم غير مسلمين ديانةً.. مسلمون ثقافةً..

بيئتهم الإسلامية تؤثر فيهم.. تحرك نور الإيمان في قلب من يمتلك منهم فطرة سليمة..

تثير في دواخلهم تساؤلات عميقة.. فتقود المنصف منهم إلى النجاة.. إلى الإسلام!!

بطل قصتنا كان يستمتع في صغره بمرأى مئذنة الجامع وهي تتسامى في فضاء حيِّه العريق، وهو المسيحي الذي ينتمي إلى أسرة نصرانية قحة تعتنق المذهب الماروني وتكنّ للإسلام أقصى درجات العداء!!

لم يكن يكفيه الاستمتاع بمرأى المئذنة بل كان يتمنى من كل قلبه لو يدخل المسجد خلسة ولو لمرة واحدة في حياته ليصلي كما رأى المسلمين يصلون..

عجزت فطرته السليمة في صغره عن تجاوز طاغوت أهله.. لكن عندما كبر تحققت أحلامه ودخل المسجد جهرة من بوابة الإسلام بدلًا من التلصص عليه خلسة عبر نافذة غرفته.. إنه الدكتور ميشال الغريب أحد نجوم الدعاة وبطل هذه القصة.

ولد ميشال في بيروت، تحديدًا في حي "الخندق العميق" ذي الأغلبية المسلمة.. عاش طفولة متنازعة بين فطرة تحب الإسلام وأهله، وأهل يكرهون الإسلام ورموزه.. لم يسمع يومًا صوت المؤذن ينادي للصلاة دون أن يهرول نحو النافذة في شغف محموم ليصغي في سكينة وادعة تفوق سنوات عمره الغضة إلى كلمات وضيئة دخلت فؤاده دون أن تطرق باب عقله.. مع صوت الأذان الذي أحب كلماته دون أن يستوعب معانيها كان ينبهر بمرأى المسلمين وهم يتوجهون في حب إلى المسجد لأداء الصلاة.. تلخصت آنذاك قمة آماله في أن يركع كما يركع المسلمون وأن يسجد كما يسجدون.. فقط لولا خوفه من أفراد أسرته الذين كانوا يقفون سدًّا منيعًا دون تحقيقه لأحلامه الصغيرة الكبيرة.

كبر ميشال جنبًا إلى جنب مع أحلامه الجميلة.. بدأ يستوعب الكلمات التي يرددها المؤذن فازداد تعلقه بها.. تعلق قلبه أكثر بالقرآن الكريم وكان يشعر بالرهبة والخشوع كلما تناهى إلى سمعه صوت المقرئ وهو يرتل آيات الذكر الحكيم برغم انتمائه النصراني.

عاش ميشال طفولة مؤلمة داخل قفص من الحرمان.. فقر أسرته المدقع اضطره إلى أن يمزج بين العمل والدراسة حتى يساعد والده في تغطية نفقات الأسرة المتزايدة.. عشق اللغة العربية التي ولجت قلبه عبر بوابة القرآن والأذان بيد أن غول الفقر وقف حاجزًا بينه وبين شراء الكتب التي يمكن أن يقوي عبرها هذه اللغة التي أحبها كثيرًا.. فطرته السليمة ألهمته إلى حل عجيب.. تمثل هذا الحل في قراءة القرآن الكريم.. نعم قرر ميشال الاستعانة بكتاب الله الكريم حتى يستفيد من بلاغته الباهرة وإعجازه اللفظي المدهش في امتلاك ناصية العربية التي أحبها فبادلته حبًّا بحب، إذ كافأته بأن جعلت آيات الله تتغلغل في حنايا صدره كما مكنته قراءة القرآن الكريم من الوصول إلى اكتشاف خطير مفاده زيف ما أخبره به القساوسة من أن المسلمين لا يوقرون المسيح عيسى -عليه السلام-، ولا يكنّون احترامًا لأمه العذراء؛ إذ وجد القرآن الكريم يصف عيسى -عليه السلام- وأمه العذراء بأصدق الأوصاف، وأكثرها تبجيلًا وتوقيرًا.. برغم كل ذلك لم يفكر في اعتناق الإسلام.. وفي المقابل لم ترق له أفكار النصرانية ومعتقداتها، بل اتبع التيار العلماني، واستمر يتبع هذا التيار حتى بعد حصوله على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، واشتغاله بالتدريس في الجامعة اللبنانية.

لكن وعلى الرغم من علمانيته المتشدّدة فقد ظل ميشال الغريب يحرص على أن يتناول الإسلام في محاضراته ومؤلفاته –كعقيدة وشريعة– بصورة موضوعية، كما كان معظم أصدقائه المقربين من المسلمين، ليس هذا فحسب بل إن شقيقته تريزا تزوجت من مسلم سني.

علاقاته الوثيقة بالمسلمين ربما كانت السبب في أن يسهم مع بعض المثقفين النصارى في إنشاء "منظمة المسيحيين الديمقراطية" التي كانت تتصدى للدعاوى العنصرية الحاقدة التي كانت تعمل على تشويه صورة الإسلام في أذهان الغربيين.. وهكذا استمر به الأمر من حال إلى حال حتى أعلن إسلامه.. وهو إسلام فطري ظل يلازمه منذ طفولته.. نعم اتجه ميشال بكل قناعة إلى دار الفتوى في بيروت حيث أشهر إسلامه، وتسمى باسم "محمد ميشال الغريب".

عوامل كثيرة دفعت ميشال الغريب إلى إعلان إسلامه.. يرجع أول هذه العوامل إلى تشككه في صحة تعاليم النصرانية التي يناقض بعضها بعضًا، خاصة الزعم بألوهية عيسى ابن مريم -عليه السلام-، الفكرة التي تناقض نفسها بنفسها، وهو تناقض يتجلى في أوضح مظاهره أمام من يضع في الاعتبار الزعم بأن صلبه كان فداء لخطيئة البشرية!! بينما يقول الكتاب المقدّس على لسان المسيح نفسه: "ملعون كل من علق خشبة"! أي ملعون من صُلب!

في المقابل وجد ميشال الغريب في القرآن الكريم الرد الشافي لكل ما يدور في ذهنه من تساؤلات، حول حقيقة الله عزّ وجلّ، وبشرية عيسى -عليه السلام-.. هذا بالإضافة إلى وسطية دين الإسلام التي تجمع بين الجانبين الروحي والمادي في الإنسان، إلى جانب شريعته التي تصلح لكل زمان ومكان، وتنظيمه لعلاقة العبد بربه، وعلاقة العبد بالعبد، فضلًا عن حقيقة أنه جعل التقوى –ولا شيء سواها- أساسًا للمفاضلة بين الناس.

لم يمر قرار ميشال الغريب المتمثل في إعلان إسلامه مرور الكرام، إذ لاقى ذلك القرار ردود فعل متباينة ممن يحيطون به، فبينما رحبت به شقيقته تريزا المتزوجة من رجل سني مسلم، تحفظت عليه زوجته، وإن لم تعلن اعتراضها عليه، أما أصدقاؤه فانقسموا بين مرحب بالقرار، ومعترض عليه، بل أقدم بعضهم على الانتقام من ميشال الغريب والتشهير به، من خلال وصف قراره بالقرار الذي تقف وراءه أهداف مادية ودنيوية.

أسهم ميشال الغريب بمؤلفاته الصادقة الجريئة في خدمة العديد من قضايا المسلمين، ففي كتابه "حريق المسجد الأقصى" الذي قام بتأليفه استجابة لطلب ورد إليه من مركز الأبحاث الفلسطيني، أوضح ميشال أن حريق المسجد الأقصى يؤكد الطبيعة العدوانية للدولة اليهودية، أما كتابه "التمييز العنصري في إسرائيل" فقد جاء ليفضح حقيقة الوجه البغيض للكيان الإسرائيلي الذي يقتات على دماء الأبرياء وأشلاء الضحايا.

ومن الأمور المهمة التي أشار إليها ميشال الغريب حقيقة أن الدعاة ما زالوا يعتمدون على الوسائل التقليدية في الدعوة إلى الله، بل أوصى بأن يواكب الدعاة التطور الفكري والعلمي للبشرية حتى يتمكنوا من تقديم عقيدتهم بما يليق بها من جلال وجمال وكمال، وحتى يقدروا على مواجهة اليهود الذين استغلوا وسائل الاتصال الحديثة وسيطروا على معظم وكالات الأنباء العالمية، وسخّروها لخدمة الصهيونية، فالمسلمون في رأيه يملكون مقدرات مادية مهولة، وإمكانات بشرية ضخمة بيد أنهم لا يوظفونها في خدمة الدعوة الإسلامية.

من ناحية أخرى ينبّه ميشال الغريب على حقيقة مهمة مفادها أن الإسلام لا يفرق بين الدين والدنيا، أو بين الشريعة والنظام وبالتالي لا مجال للعلمانية في ظله، على عكس بلاد النصارى التي قامت فيها العلمانية نتيجة للنزاع الذي كان دائرًا بين القساوسة من ناحية، ورجال السياسة من ناحية أخرى على مطالب دنيوية مثل جباية الضرائب، كما أنها قامت نتيجة لمحاربة الكنيسة لتطور العلوم على عكس الإسلام الذي يشجع عليه.

إلى كل إنسان غير مسلم..

أنت مدعو إلى تأمل هذه القصة..

انظر إلى ميشال الصغير الكبير..

تأمل كيف أخرجته فطرته السليمة –بعد رحمة الله تعالى- من ظلمات النصرانية التي كان عليها آباؤه إلى نور الإسلام الذي كان يعشقه منذ نعومة أظفاره..

تأمل كيف تحول من مسيحي صغير حلمت أسرته بأن يصبح في كبره قسًّا يشار إليه بالبنان إلى داعية مسلم لا يشق له غبار..

تأمل نفسك!!

اسأل الله الهداية.. فبالله نهتدي إلى الله.

-----------------

المصادر:

الألفي، أسامة (2005)؛ لماذا أسلموا؟ القاهرة: أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي.

عبد الصمد، محمد كامل (1995)؛ الجانب الخفي وراء إسلام هؤلاء؛ ثلاثة أجزاء؛ القاهرة: الدار المصرية اللبنانية للنشر.    

 

0 تعليقات 3 تحميل

تعليقات (0)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.

يرجى تسجيل الدخول لإرسال التعليق.