عدد الزيارات: 7
0 تعليقات

هل ستقتلني؟!


إعداد: الدكتور/ أحمد محمد زين المنّاوي
آخر تحديث: 02‏/11‏/2026 هـ 22-05-1448

كان الرجل يحمل مدفعًا رشاشًا، ويطارد فتاة مذعورة لجأت إلى شاب غريب تستنجد به وتحتمي من سلاحه!

اقترب الرجل المسلَّح، وهدَّد الشاب بالقتل إن لم يُسلِّمه الفتاة!

وجد الشاب نفسه أمام امتحان عسير.. فإمَّا أن يُسلِّم الفتاة إلى مصير مجهول، وإمَّا أن يُعرِّض حياته للخطر! حاول أن يُقنع الرجل بالعدول عن تهديده، ولكنَّ الموقف كان أشدَّ تعقيدًا من أن تحسمه كلمات عابرة.

وفجأة.. خرجت من فمه عبارة لم يكن قد أعدَّ لها، ولم يتوقَّع أن تغيِّر مجرى حياته: "هل ستقتلني يا أخي قبل أن أتعلَّم الصلاة؟"

وما إن سمع الرجل هذه الكلمات حتى حدث ما لم يكن في الحسبان!

ألقى سلاحه، وأقبل على الشاب يعانقه، وهو يقول: "يا أخي"!

فمن هذا الشاب؟ وكيف وجد نفسه في هذا الموقف العجيب؟ وما علاقة الصلاة بإنقاذ حياته؟! ولماذا كانت هذه الحادثة بداية رحلة غيَّرت مصيره إلى الأبد؟!

لنعد إلى بداية الحكاية..

بعد قرون طويلة من سقوط الأندلس، ومن أرض إسبانيا التي احتضنت ذات يوم واحدة من أعظم الحضارات الإسلامية، أشرقت شمس جديدة في حياة شاب إسباني، أعادت إلى الذاكرة شيئًا من عبق الأندلس وأمجادها. إنَّه جوزيف سلفادور كابري، إسباني الأصل، أمريكي الجنسية، عربي الملامح، أندلسي الجذور، الذي سيُعرف فيما بعد باسم يوسف.

وُلد جوزيف في الثالث والعشرين من يونيو عام 1940م بمدينة برشلونة الإسبانية، لأم كاثوليكية ترجع أصولها إلى غرناطة، آخر معاقل المسلمين في الأندلس، وأب علماني لا يشغل الدين مساحة تُذكر من اهتماماته.

نشأ جوزيف في بيئة لم تمنحه ما كان يبحث عنه من طمأنينة روحية، وظلَّ يشعر في أعماقه بفراغ غامض، لا يدري كيف يملأه، ولا أين يجد ما يُسكِّن قلقه.

درس في برشلونة حتى بلغ السابعة عشرة من عمره، ثم التحق بالجيش الإسباني، وأدَّى الخدمة العسكرية قرابة عامين. وبعد خروجه من الجيش، انطلق يتنقَّل بين الدول الأوروبية، حتى انتهت به الرحلة إلى فرنسا وهو في الرابعة والعشرين من عمره.

هناك، في باريس، راودته فكرة دراسة الاقتصاد والسياسة في جامعة السوربون، إلى جانب اللغة السنسكريتية القديمة، لغة كثير من النصوص الدينية والفلسفية الهندية. ولكنَّ شيئًا في داخله ظلَّ مضطربًا، فلم يجد في الدراسة ما يُبدِّد حيرته، ولا في الحياة المادية ما يملأ فراغ روحه. وزاد من معاناته فشل زواجه الأول من امرأة ألمانية، انتهت علاقته بها، ولم يبقَ له منها سوى ابنه موسى، وذكريات تجربة أثقلت قلبه.

كان جوزيف يبحث عن شيء لا يعرف اسمه! شيء يمنحه الطمأنينة، ويُعيد إلى حياته معناها، ويجيب عن الأسئلة التي ظلَّت تطارده أينما ذهب.

بدأ جوزيف يتعرَّف إلى الأديان والمذاهب الفلسفية، باحثًا بين معتقداتها عن إجابات تُقنع عقله وتُريح قلبه. وساعدته معرفته باللغة السنسكريتية القديمة، وهي لغة هندية طقوسية للهندوسية والبوذية والجانية، على الاطلاع على بعض ديانات الشرق الكبرى، ولا سيَّما الهندوسية والبوذية.

وفي عام 1968م، شدَّ رحاله إلى الهند، عازمًا على التعمُّق في دراسة الهندوسية والتعرُّف إلى قيمها ومبادئها. ولكنَّ الأقدار كانت تُخبِّئ له وجهة أخرى!

ففي أثناء رحلته، التقى مسلمين من يوغسلافيا وتركيا وباكستان وأفغانستان، ووجد في سلوك بعضهم ومعاملاتهم ما أثار فضوله، وجعله يتساءل عن الدين الذي يصنع في نفوس أتباعه مثل هذه القيم. وشيئًا فشيئًا، بدأ اهتمامه بالإسلام يزداد، حتى تراجعت الهندوسية عن صدارة اهتماماته.

لم يصل جوزيف إلى الهند التي قصدها كما كان يتصوَّر.. فقد بدأت أمامه رحلة أخرى لم تكن في حساباته! وفي إحدى المناطق الريفية القريبة من مدينة قندهار الأفغانية، وقعت الحادثة التي افتتحنا بها هذه القصة.

كانت فتاة ترتدي ملابس عربية قد لجأت إليه، تستجير به من رجل أفغاني يحمل مدفعًا رشاشًا ويطاردها. وحين هدَّده الرجل بالقتل إن لم يُسلِّمه الفتاة، وجد جوزيف نفسه ينطق بتلك العبارة العجيبة: "هل ستقتلني يا أخي قبل أن أتعلَّم الصلاة؟!"

كانت كلمات قليلة، ولكنَّ وقعها في نفس الرجل المسلَّح كان بالغًا!

ألقى سلاحه، وعانق جوزيف، وترك الفتاة، بل أعطاها بعض المال، ثم اصحبهما إلى قندهار، حيث استضافهما بعض المسلمين. وهناك، أخذ الرجل يُعلِّم جوزيف الوضوء والصلاة وأركان الإسلام.

وبدأ جوزيف يُصلِّي مع المسلمين الذين ظنُّوه مسلمًا مثلهم، مع أنَّه لم يكن قد اتخذ بعد قراره باعتناق الإسلام.

لقد نجا في ذلك اليوم من خطر الموت، ولكنَّه خرج من الحادثة بشيء أثمن من النجاة! خرج منها بخطوة جديدة نحو الإيمان. وكانت تلك أول مرَّة يكتشف فيها جوزيف أنَّ كلمة عن الصلاة يمكن أن تكون أقوى من سلاح!

غير أنَّ حادثة أخرى كانت تنتظره.. حادثة لا سلاح فيها، ولا تهديد، ولا خوف من الموت، ولكنَّ أثرها في نفسه كان أعمق وأبقى. ففي أحد الأيام، غادر جوزيف مدينة قندهار برفقة صديق نصراني، قاصدَين منطقة مولكان، وسارا على أقدامهما عبر طرق صحراوية وعرة.

كانت الأرض شديدة الحرارة، ولم يكن حذاؤه المطاطي قادرًا على احتمال قسوتها، فاضطر إلى خلعه ومواصلة السير حافي القدمين! وبينما كان يمشي مع رفيقه، صادف رجلًا عجوزًا يحمل زوجًا من الأحذية المستعملة.

رأى العجوز جوزيف حافيًا، فاقترب منه وسأله:

أتريد أن تشتري حذاءً؟

أجابه جوزيف بالنفي.

فسأله العجوز عن السبب.

قال جوزيف:

لأنني لا أملك ثمنه!

نظر إليه الرجل وسأله:

ومن أين تأكل إذن؟

فأجابه جوزيف:

يُطعمني ربِّي!

كانت الإجابة كافية!

فما كان من الرجل إلا أن أعطاه الحذاء دون مقابل!

ولم يكتفِ بذلك، بل اصطحبه هو ورفيقه إلى منزله، وقدَّم لهما الطعام، وأصرَّ على استضافتهما عدة أيام.

كان الرجل فقيرًا، ولكنَّ فقره لم يمنعه من العطاء! بل كان يمنحهما، طوال فترة إقامتهما عنده، روبيتين باكستانيتين كل يوم، ثم زاد عطاءه في اليوم الأخير إلى خمس روبيات!

تأمَّل هذا المشهد جيدًا..

رجل فقير، لا يعرف ضيفيه، ولا تجمعه بهما قرابة، ولا ينتظر منهما مقابلًا، ومع ذلك يُطعمهما ويُكرمهما ويعطيهما من المال القليل الذي يملكه! لم يسأل عن جنسيتهما، ولم يجعل اختلاف الدين حاجزًا بينه وبين الإحسان إليهما.

كان كل ما يعنيه أنَّ أمامه إنسانين يحتاجان إلى المساعدة!

وقد ترك هذا الموقف أثرًا عميقًا في نفس جوزيف.

فما الدين الذي يجعل رجلًا فقيرًا بهذا القدر من الكرم؟!

وما العقيدة التي تغرس في قلب صاحبها هذا السخاء، حتى يُعطي وهو أحوج الناس إلى ما يُعطي؟! لقد تلقَّى جوزيف في بيت ذلك الفقير درسًا لم يتلقَّه في قاعات الدراسة! درسًا لم يكن مكتوبًا في كتاب، ولا محفوظًا في كلمات، بل تجسَّد أمامه في حذاء مستعمل، ولقمة طعام، وروبيات قليلة!

وهكذا، فإنَّ الرجل الذي لم يكن يملك ثمن حذاء، وجد إنسانًا فقيرًا فتح له بحذائه بابًا جديدًا إلى الإسلام!

أشعل ذلك الموقف في قلب جوزيف رغبة أشدَّ في معرفة الإسلام.

فأخذ يزور المساجد، ويلتقي المسلمين، ويسأل عن عقيدتهم وعباداتهم.

وفي إحدى رحلاته، التقى عالمًا مسلمًا وأخبره برغبته في تعلُّم الإسلام، فرحَّب به واستضافه مع رفيقه النصراني عدة أيام، قبل أن يواصلا رحلتهما إلى لاهور.

وفي عام 1969م، وصل الاثنان إلى مدينة لاهور الباكستانية، وهناك التقيا عالم الاجتماع المسلم الدكتور عبد الحميد، الذي أرشدهما إلى مدرسة إسلامية. فذهب جوزيف ورفيقه إلى المدرسة، وأخبرا القائمين عليها أنَّهما مسلمان، وأنَّهما يرغبان في تعلُّم الإسلام.

وهناك سمع جوزيف عبارة كان لها أثر بالغ في نفسه.

قال لهما مسؤولو المدرسة:

"هذه المدرسة لا تُعلِّم الإسلام، ولكنَّها مكان لتطبيقه"!

يا لها من عبارة! لقد ظلَّ جوزيف يبحث عن الدين في الكتب والمذاهب والأفكار، حتى وجده حيًّا أمامه في سلوك أناس عاديين!

رآه في رجل ألقى سلاحه حين سمع كلمة عن الصلاة..

ورآه في فقير أعطاه حذاءه، وأطعمه من طعامه، وآثره بالقليل الذي يملكه..

ثم سمع في تلك المدرسة ما لخَّص له جانبًا مهمًّا من رحلته: الإسلام ليس كلمات تُقال فحسب.. إنَّه إيمان يظهر أثره في حياة الإنسان وسلوكه!

وهنا، اتخذ جوزيف القرار الذي غيَّر حياته!

أعلن إسلامه، ونطق بالشهادتين، واختار لنفسه اسمًا جديدًا: يوسف!

لقد غادر برشلونة باحثًا عن معنى الحياة، وجاب البلدان يبحث عن الحقيقة، ثم وجد في لاهور ما اطمأنَّ إليه قلبه. لم تكن رحلة قصيرة، ولم يكن الطريق خاليًا من المعاناة، ولكنَّ النهاية كانت بداية حياة جديدة! ومكث يوسف في تلك المدرسة قرابة شهرين، تعلَّم خلالهما المزيد عن الإسلام، ثم واصل رحلاته بين الهند وباكستان وأوروبا.

وفي مدينة فلورنسا الإيطالية، عمل مديرًا لمخيم شبابي، وبدأ نشاطه في التعريف بالإسلام والدعوة إليه، حيث كان سببًا في إسلام أستاذين جامعيين إيطاليين.

يا للعجب! ذلك الشاب الذي ظلَّ يبحث طويلًا عمَّن يدُلُّه على الإسلام، أصبح يُعرِّف الآخرين به! وبعد نحو أربعة أشهر قضاها في المخيم، واصل أسفاره، وتنقَّل بين أفغانستان والهند وباكستان.

وخلال إحدى رحلاته، التقى فتاة سويدية تُدعى كارين، فتزوَّجها، وانتقلت معه إلى إيطاليا. ثم عاد إلى باكستان لمواصلة دراسته الإسلامية، وتتلمذ على يد الشيخ يوسف بيجنوري حتى عام 1972م.

واعتنقت زوجته كارين الإسلام، واختارت لنفسها اسم كريمة. وبعد ذلك، انتقل الزوجان إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث استقرَّا، ورُزقا بولدين وبنت، إلى جانب موسى، ابن يوسف من زواجه الأول.

وحرص يوسف وزوجته على تنشئة أبنائهما على الإسلام، والمحافظة على هويتهم الدينية في المجتمع الأمريكي. غير أنَّ اهتمام يوسف لم يتوقَّف عند حدود أسرته.

لقد شعر أنَّ عليه واجبًا تجاه أبناء المسلمين الذين يعيشون بعيدًا عن أوطانهم، ويحتاجون إلى من يُعلِّمهم دينهم، ويحفظ صلتهم بعقيدتهم وتراثهم. فانخرط في أنشطة الجالية الإسلامية، وأسهم بالتعاون مع بعض أفرادها في تأسيس مدرسة لتعليم أبناء المسلمين مبادئ دينهم.

ولم يكن الطريق سهلًا، فقد احتاج المشروع إلى المال والإمكانات، فقام يوسف بجولة في عدد من بلدان الخليج لجمع التبرعات اللازمة لدعم المدرسة وتوسيع قدرتها على استقبال الطلاب.

كما اهتمَّ بترجمة الكتب الإسلامية إلى اللغة الإسبانية، مساهمةً منه في تقريب معاني الإسلام إلى الناطقين بهذه اللغة. وشملت ترجماته كتبًا في الأدعية النبوية، وقصص الصحابة، وفضائل شهر رمضان، والسيرة النبوية.

لقد تحوَّل ذلك الشاب القلق، الذي كان يبحث عن إجابة لأسئلته، إلى رجل جعل من حياته وسيلة لمساعدة الآخرين على التعرُّف إلى الإسلام.

كان بالأمس يبحث عمَّن يدلُّه على الطريق.. وأصبح اليوم يدلُّ الآخرين عليه!

حين نتأمَّل قصة يوسف، نجد أنَّ أكثر مشاهدها تأثيرًا لم تكن خطبة بليغة، ولا مناظرة فلسفية، ولا درسًا طويلًا في العقيدة، بل كانت مواقف إنسانية بسيطة!

رجل مسلَّح ألقى سلاحه..

ورجل فقير أعطى حذاءه..

ومدرسة أعلنت أنَّ وظيفتها تطبيق الإسلام، لا الاكتفاء بالكلام عنه!

ثلاثة مواقف، ولكنَّها كانت محطات حاسمة في رحلة إنسان يبحث عن الحقيقة.

وهنا يبرز سؤال ينبغي أن نقف عنده طويلًا:

كم من إنسان يمكن أن يكون خُلُقك الحسن سببًا في هدايته؟!

وكم من قلب قد تُفتَح أبوابه إلى الإسلام بكلمة طيبة، أو موقف رحيم، أو مساعدة صادقة، أو يد تمتدُّ بالإحسان إلى محتاج؟! إنَّ الدعوة إلى اللَّه ليست مسؤولية العلماء والدعاة وحدهم، بل يستطيع كل مسلم أن يكون داعية بأخلاقه وسلوكه، وصدقه وأمانته، ورحمته وإحسانه.

نملك دينًا عظيمًا، ولكنَّ السؤال الذي ينبغي أن نوجِّهه إلى أنفسنا:

ماذا قدَّمنا لخدمة هذا الدين العظيم؟!

إنَّ اللَّه سبحانه غنيٌّ عنَّا، وعن أعمالنا، وعن جهودنا وأموالنا. ولسنا نحن من يمنح الإسلام قوَّته وعظمته، وإنَّما نحن من نتشرَّف بخدمته، ونرجو أن يجعل اللَّه ذلك في موازين حسناتنا.

فحين ننصر دين اللَّه، فإنَّما نسعى إلى الخير لأنفسنا، ونرجو بذلك رضاه وثوابه.

ولنتذكَّر دائمًا أنَّنا قد ننسى معروفًا صنعناه مع إنسان عابر في الطريق، ولكنَّه قد يظلُّ يحمل أثر ذلك المعروف في قلبه طوال حياته! فلا تستصغر خيرًا تقدِّمه لأحد.. فلعلَّ عملًا صغيرًا في عينيك يكون بداية تحوُّل عظيم في حياة إنسان آخر!

وأنت يا من تبحث عن الهداية، وتتطلَّع إلى الطمأنينة، وتبحث عمَّن ينتشلك من حيرتك وشكوكك.. لا تنسَ أنَّ الهداية من اللَّه وحده، وأنَّ القلوب بين يديه، وأنَّ من صدق في طلب الحق وسأل اللَّه أن يهديه، فقد طرق أعظم الأبواب.

فاسأل اللَّه الهداية، والزم سبيل الحق، وتوكَّل عليه.. فباللَّه نهتدي إلى اللَّه.

-------------------

المصادر:

العشّي، عرفات كامل (2001)؛ رجال ونساء أسلموا؛ القاهرة: المكتب المصري الحديث.

بابكر، مصعب الطيب؛ مقال بعنوان: طوفان التنصير هل يهدد هوية السودان؟ استرجع بتاريخ 29 إبريل، 2017 من موقع المكتبة الشاملة: http://sh.bib-alex.net

 

0 تعليقات 2 تحميل

تعليقات (0)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.

يرجى تسجيل الدخول لإرسال التعليق.