عدد الزيارات: 166

اسم المؤلف


إعداد: الدكتور/ أحمد محمد زين المنّاوي
آخر تحديث: 24/09/2017 هـ 03-01-1439

العربية.. يكفيها شرفًا أن اختارها الله تعالى لتكون لسان وحيه ولغة آخر كتب الله إلى البشر..

اللغة التي يكفيها شرفًا أن القرآن لا يُسمّى قرآنًا إلا إذا كان مقروءًا ومكتوبًا بها..

فلم ترتبط لغة بكتاب إلهي ارتباطَ العربية بالقرآن الذي تكفّل الله بحفظه، فحفظ اللغة العربية معه..

منه اكتسبت ألقها، ومنها اكتسب واحدًا من وجوه إعجازه الكثيرة الباهرة..

ولم نسمع يومًا عن لغة تتحدى الناطقين بها، كما يتحدى القرآن الكريم بلغته العربية أكبر بلغائها وشعرائها وأدبائها..

السائحة الأمريكية كريمة بيرنز لها قصة عجيبة مع اللغة العربية، نفسح لها المجال لتروي لنا جانبًا منها في الفقرات التالية: الحقيقة احتوتني الدهشة في مسجد الحمراء بغرناطة الإسبانية وأنا أحدق في الخطوط المكتوبة على أطراف جدران المسجد.. لقد انبهرت تمامًا لأنني وجدت نفسي أقف متأملة في حروف وكلمات أجمل لغة شاهدتها في حياتي على الإطلاق، وحتى ذلك الوقت لم أكن أعرف ما هي.. فدرت حول نفسي في ذهول ثم سألت سائحًا إسبانيًّا في نبرة تعلوها الدهشة: "ما هي هذه اللغة؟".. ردّ السائح الإسباني عليّ في اقتضاب: "العربية".

في اليوم التالي، سألتني المرافقة السياحية -وهي تهم بإعطائي دليل الرحلة- قائلة: بأي لغة تريدين دليل الرحلة؟ أجبتها بتلقائية وحتى دون أن أفكر: أريده بالعربية.

سألتني مندهشة: "بالعربية؟! وهل تتكلمين العربية؟!".

أجبتها قائلة: لا.. ولكن أحببت أن أحصل على دليل بالعربية، وليتك تعطيني نسخة أخرى من الدليل بالإنجليزية. وعندما انتهت الرحلة السياحية انتبهت إلى أن حقيبتي امتلأت عن آخرها بكتيبات كثيرة مطبوعة باللغة العربية أخذتها من جميع المواقع التي زرتها في إسبانيا.. بل وصل اكتظاظ حقيبتي بالكتب درجة جعلتني أضطر إلى التخلي عن بعض ملابسي.. الحقيقة تشبثت بتلك الكتيبات العربية في حرص شديد ولكأنها صيغت بمداد من الذهب.. وعقب وصولي إلى الديار ظللت أفتح تلك الكتيبات في كل ليلة، لكي أتأمل حروفها المتوهجة بالجمال وهي تتدفق عبر الصفحات في سلاسة.

إعجابي الشديد بجمال اللغة العربية دفعني إلى أن أعاهد نفسي على تعلّمها في فصل الخريف موعد بداية دراستي في الكلية..

كنت في السادسة عشرة من العمر عندما تركت عائلتي ورائي في ولاية آيوا الأمريكية، وذهبت بمفردي إلى أوروبا بغرض الانتساب إلى جامعة نورثيستون.. قلت لأصدقائي وعائلتي إنني أرغب في رؤية العالم.. هذا ما قلته لهم لكنني في الحقيقة كنت أبحث عن إجابات لبعض التساؤلات الملحّة التي كانت تدور في ذهني.. لقد تركت الكنيسة لأنني لم أكن مقتنعة بالتعليم الذي كنت أتلقاه حيث ترعرعت في منطقة الغرب الأوسط من أمريكا.. ولأنه لم يكن هناك خيار آخر متاح أمامي غير التعليم الكنسي قمت برحلتي إلى أوروبا بحثًا عن البديل.

من مفاهيم الكنيسة وممارساتها التي كنت أدرك بحدسي وفطرتي أنها مفاهيم خطأ، عدم سماحها لرعاياها بأن يصلوا لله!!.. الحقيقة لم أكن قادرة على أن أجهر بمعارضتي لتلك المفاهيم والممارسات؛ إذ كنت أتظاهر بتأييدها في العلن بينما كنت أصلي سرًّا لله.. نعم كنت أؤمن بإخلاص بأن هناك إلهًا واحدًا فقط يجب علينا أن نتوجه إليه بالصلاة.. لكن وعلى الرغم من ذلك كنت أشعر بعقدة الذنب تعتريني لأن اعتقادي وسلوكي السريين كانا يخالفان مبادئ التعليم الذي تعلمته.

ومن ممارسات المسيحيين التي لم أكن راضية عنها حقيقة أنهم يربطون تطبيق القيم التي يأمر بها الدين -كالصدق، واللطف والرحمة- فقط بيوم الأحد حيث يتصرفون على نحو مختلف في بقية أيام الأسبوع.. لقد كنت تائهة وسط صحارى من الحيرة، وأبحث عن الحق في يأس بيد أنني لم أجده حتى ذلك الوقت.

أذكر ذات يوم أنني ذهبت إلى أحد أساتذتي في منزله، وشاهدت مجموعة كبيرة من الكتب المقدسة مرصوصة على أحد الأرفف.. سألته عن تلك الكتب فأجابني بأنها روايات مختلفة للكتاب المقدس! في الواقع أزعجني الأمر كثيرًا وأصابني بالحيرة مع أنه على ما يبدو لم يكن يزعج الأستاذ ألبتة.

حينما عدت إلى كليتي، كنت أحمل بين جوانحي أثقالًا من الإحساس بخيبة الأمل لأنني فشلت في الحصول على الإجابة التي كنت أتوقع الحصول عليها في أوروبا.. لكن عزائي الوحيد يتمثل في أنني عدت وقلبي مملوء بحب لغة لم أكن أعرف عنها إلا اسمها ورسمها فقط.. إنها اللغة العربية التي كنت أتأمل حروفها وكلماتها بإعجاب دون أن أفهم شيئًا ولو يسيرًا من معانيها.. ما أثار سخريتي من نفسي لاحقًا حينما توصلت بعد أكثر من عامين إلى حقيقة أنني كنت أحدق مليًّا في الإجابات التي كنت أبحث عنها بإلحاح، وهي محفورة على جدران مسجد "الحمراء".. ما كان يحجبها عني آنذاك فقط هو عدم إلمامي باللغة العربية.

كان أول عمل قمت به عقب وصولي إلى الحرم الجامعي هو التسجيل في صف اللغة العربية.. كنت ثالثة ثلاثة فقط في صف لا يحظى بشعبية ولا قبول من قبل الطلاب.. حبي للعربية جعلني أهتم بها في شغف احتار أمامه أستاذي.. كنت أنجز –في إتقان وإخلاص- الفروض الدراسية بريشة الخط العربي الجميل.. بل كنت أذهب إلى المنطقة العربية في شيكاغو، فقط لكي أعثر على زجاجة مياه غازية كتب عليها بالعربية "كوكا كولا".. ومن تلك المنطقة التي أحببتها بسبب حبي للعربية استعرت من العرب مجموعة من الكتب فقط لكي أتمكن عبرها من تأمل جمال حروف اللغة بالعربية وروعة كلماتها الساحرة.

حبي للعربية دفعني إلى أن أتخصص في دراسات الشرق الأوسط عندما وصلت إلى سنتي الثانية بالجامعة.. نعم سجلت في صفوف تتعلق بتلك المنطقة، ومن حسن حظي أنني حظيت في واحد من تلك الصفوف بدراسة القرآن الكريم.

يا الله!!.. في إحدى الليالي التي لا تنسى فتحت القرآن لتأدية "الفرض الجامعي"، بيد أن قراءتي للقرآن لم تقتصر على ذلك الفرض فحسب؛ إذ وجدت نفسي غير قادرة على التوقف عن القراءة.. لقد انبهرت بوضاءة القرآن بصورة أعجز عن وصفها بالكلمات!!.. لقد وجدته كتابًا يتسم بالبساطة والوضوح والعمق بل وجدت فيه الإجابات الكافية الشافية لجميع الأسئلة الملحة التي كانت تقض مضجعي مثل: لماذا يقتصر التحلي بالقيم الفضلى فقط على أيام الآحاد؟ وكيف يوجد أكثر من إله؟ وإلى غير ذلك من الأسئلة التي كانت تراودني نتيجة للمفاهيم والممارسات الدينية المسيحية الخطأ التي تم غرسها بداخلي منذ طفولتي.

في اليوم التالي ذهبت إلى الصف الدراسي لكي أسأل عن اسم مؤلف ذلك الكتاب حتى أتمكن من قراءة المزيد من كتبه لأنني انبهرت به بشدة.. وجهت هذا السؤال لأستاذي بعد أن لاحظت في نسخة المصحف التي كنت قد حصلت عليها وجود اسم اعتقدت أنه اسم مؤلفه، كما هو الحال في الإنجيل الذي كتبه القديس "لوقا" على سبيل المثال.. أفادني أستاذي بأن هذا الاسم هو اسم المترجم الذي ترجم الكتاب لأن المسلمين يرون أن هذا الكتاب لم يؤلفه بشر وإنما هو كلام الله الذي لم يطرأ عليه أي تغيير منذ أن نزل وحيًا على نبيهم محمد صلى الله عليه وسلّم_.

عقب ما سمعته من أستاذي وجدت نفسي أرغب بشدة ولدرجة الوله في أن أدرس كلًّا من العربية والإسلام، كما أنني فكرت في السفر إلى منطقة الشرق الأوسط.. وبحمد الله تحقق لي ما أردته؛ إذ سافرت عقب تخرجي في الكلية إلى مصر لأتابع دراستي هناك.. لقد أحببت "القاهرة الإسلامية" من داخل أعماقي.. كانت مساجدها الفسيحة الشامخة تمنحني إحساسًا بالراحة والرهبة في آن واحد.. وكنت حين أدخلها أشعر فعلًا بقيم الجمال والقوة والرهبة من الله تعالى، كما كنت أستمتع بالتحديق في الخطوط العربية الأنيقة التي تزين جدرانها.

أذكر أن زميلًا سألني ذات يوم لمَ لم أعتنق الإسلام وأنا أكنّ له كل هذا القدر الكبير من الحب؛ فأجبته بعفوية وبنبرة استنكارية: ولكنني مسلمة!.. تفاجأ من إجابتي ونصحني بأن أعلن اعتناقي للإسلام حتى يكون لإسلامي صفة رسمية.

وتختتم كريمة بيرنز قصتها بقولها: عندما استلمت وثيقة إسلامي شعرت بأنني لست في حاجة إلى إبرازها وعرضها لكي تخبرني بأنني مسلمة؛ إذ توصلت إلى هذه الحقيقة منذ أول لحظة بدأت فيها قراءة القرآن، لذلك وضعت الوثيقة في خزانة ملفاتي مع بقية سجلاتي وعلّقت بدلًا منها صورة مسجد الحمراء فوق حائطي.

فالإسلام.. يعلن نفسه بلا شهادة أو وثيقة!!..

إنه الوثيقة الحقيقية.. لا الورق المختوم.. فالختم في القلب والروح..

هيا.. اختموا قلوبكم بختم الإيمان.. ويا له من ختم ينير الدنيا والآخرة بنور الله..

ختم لا نحصل عليه إلا بالصدق الخالص.. صدق البحث عن الله..

لذا اسألوا الله الهداية.. فبالله نهتدي إلى الله.

---------------

المصادر:

بيرنز، كريمة (21 أكتوبر 2010)؛ حبِّي للعربيَّة أرشدني للإسلام؛ موقع الإسلام اليوم: www.islamtoday.net

Burns, Karima (17 May 2010). Stories of New Muslims: Karima Burns, Ex-Christian, USA. Retrieved August 10, 2017, from: www.islamreligion.com.

 


تعليقات (
0
)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.