عدد الزيارات: 305

الطفلة المعذّبة


إعداد: الدكتور/ أحمد محمد زين المنّاوي
آخر تحديث: 20/03/2019 هـ 07-05-1440

واهم من يغلق الأبواب أمام الباحثين عن الحق.. معتقداً أنه نجح في منعهم!!

للحق أجنحة كالطير.. يطير بها ليستقر في عقول وقلوب من ينادي عليه..

هكذا هو الحق عامة.. فما بالنا بالحق في الإيمان بالله؟!! الحق المطلق..

عاشت طفولتها في عذاب.. طفلة بريئة متنازعة بين قوتين: قوة أسرة ملحدة متزمتة، وقوة فطرة نقية سليمة.. أسئلة كثيرة كانت تراود ذهنها الصغير بينما موانع حصينة كانت تكبل فمها بإحكام..

حرمانها من طرح الأسئلة وحرصها على إرواء ظمئها دفعاها إلى أن تلوذ بالكتب التي كانت تقرؤها سرًّا في جوف الليل بحثًا عن الله..

وعندما اشتد عودها بحثت عنه في كل الديانات وتواصلت مع معتنقيها فوجدت أخيرًا ما تبحث عنه في الإسلام فاعتنقته..

إنها فلّة الفرنسية التي فرحت كثيرًا بأن شرح الله صدرها للإسلام فأرادت أن تشاركنا فرحتها بإسلامها فروت لنا قصتها هذه:

ولدت وترعرعت في كنف أسرة ملحدة شديدة التزمت.. كان أفراد أسرتي يتجاذبون أطراف الحديث في كل شيء إلا الدين.. تعذبت كثيرًا في طفولتي ومراهقتي.. ففطرتي السليمة كانت تدفعني إلى ملاحظة ما حولي في ارتياب بينما أسرتي الملحدة كانت تمنعني من طرح أي سؤال، فعوضت عن ذلك بأن هرعت إلى الكتب التي ظللت أقرؤها ليلًا، وفي منتهى السرية حتى أجد إجابات شافية لأسئلة كثيرة كانت تقفز إلى ذهني، منها على سبيل المثال: "لمَ توجد اختلافات كثيرة بين الأديان؟ ولم يوجد أناس مؤمنون وآخرون غير مؤمنين؟".

كنت أصغي بانتباه شديد إلى كل مؤمن، وكنت أوجه أسئلة إلى زملاء دراستي الذين كانوا يتلقون التعليم المسيحي.. بل كنت أرغب من أعماق نفسي في أن أصبح مؤمنة مثلهم بيد أن خوفي من أفراد أسرتي جعل منها رغبة خفيّة أحتفظ بها لنفسي ولا أجرؤ على الجهر بها حتى لو كنت على انفراد.

رغبتي الملحّة في البحث عن الله بدأت تكبر معي وتزداد بمرور الأيام والأعوام.. كنت كثيرًا ما أتوجّه إلى الله تعالى أملًا في أن يصغي إلى حديثي.. ومع ذلك كانت الشكوك تساورني على الدوام.. رغبتي في الإيمان، وفي معرفة الله كانت قوية ومتزايدة وتتناسب تناسبًا طرديًا مع عمري.. بيد أنني كنت لا أملك الادعاء بأنني أحمل الإيمان بين جوانحي.

للخروج من دوامة التناقض التي كانت تتقاذفني بين دائرتي الشك واليقين، بدأت أبحث في كل الأديان مع إقصائي لبعضها سواء تلك التي لم أجد فيها وضوحًا، أو تلك التي لم تدفعني إلى طرح أسئلة أخرى أكثر حصافة.. بالتالي كان تركيزي على الأديان الثلاثة التي بحثت فيها علّني أجد إجابات شافية عن أسئلتي.. وبالفعل بدأت بحثي في اليهودية، ثم المسيحية، وأخيرًا الإسلام.. الحقيقة استغرقت مني عملية البحث في الأديان الثلاثة سنوات عديدة بينما ظلت رغبتي الشغوفة للمعرفة والإيمان تزداد أكثر وأكثر.

ولكي أصل إلى الحقيقة قررت بيني وبين نفسي تجاوز كل الآراء السخيفة والمبتذلة التي كانت تنظر إلى الإيمان باعتباره المعادل الموضوعي للضعف بينما كان بالنسبة إليّ هو القوة الحقيقية.

والحق يقال، فقد كنت آنذاك -برغم أنني لم أعرف الكثير عن الإسلام بعد– لا أصادف نساء مسلمات يرتدين الحجاب، حتى أشعر بقلبي يخفق بشدة ويستحوذ على احترام شديد غير متناهٍ لهن؛ فمن خلالهن فقط كنت أحس بنور الإيمان ينساب إلى داخل قلبي كما كنت لا أعير انتباهًا لتلك الانتقادات اللاذعة والساخرة التي كانت توجّه إليهن من أناس لا يفهمون المغزى الحقيقي للزي الذي كنّ يرتدينه.

حينما بدأت بحثي في الديانتين اليهودية والمسيحية، لم أجد إجابات واضحة، بل على العكس كانت تساؤلاتي تزداد على الدوام.. بينما رغبتي الملحّة في أن أصبح مؤمنة أخذت تشتد أكثر فأكثر.. عقب وصولي إلى طريق مسدود من خلال دراستي لليهودية والمسيحية، بدأت دراسة الدين الإسلامي.

برغم تزودي السابق بالقرآن فإنني رأيت عدم الجدوى أن أستعجل قراءته بحجة أنني لم أكن أعرف بعد أسس الإسلام.. ولحل هذه المشكلة بدأت أدرس الدين الإسلامي بصورة تدريجية وأحصل على المزيد من المعلومات عنه حتى أصبح مؤهلة لقراءة القرآن.

وكنت كلما ازدادت معرفتي بالإسلام، وجدت إجابات شافية للأسئلة الملحة التي كانت تراودني منذ طفولتي وبالتالي شعرت بوضوح أكبر حول الله والإيمان.

أخيرًا وبعد رحلة مضنية من البحث والتقصّي حصلت على الإجابات الشافية المرضية لكل أسئلتي الملحة عن الإسلام.. وبالتالي اكتملت أمامي الأجزاء الناقصة من اللوحة البديعة.. لوحة الإيمان.. حينها فقط وبعد مرور ستة أشهر من شروعي في التعلم توصلت إلى أنني أصبحت أعرف عن الإسلام ما يؤهلني لقراءة القرآن.. وبالفعل فتحت الصفحات الأولى من القرآن، فانسابت الآيات الكريمة إلى شغاف قلبي وهي تحمل تشجيعًا عذبًا يدفعني بقوة وحب إلى قراءة المزيد.. حقيقة كنت أحمل القرآن بين يدي وينتابني إحساس من يحمل وليدًا بفعل رقة وحلاوة وطلاوة ووضاءة كلماته.. لكن وبرغم كل ذلك لم يستقر الإيمان في قلبي بعد.

وتضيف فلة وهي تتحدث بحماس عن تجربتها:

وفي ليلة الأول من تموز من عام 2001م، وقفت أمام نافذة غرفتي أتأمل السماء المزدانة بالنجوم.. خاطبت الله بكلمات تخرج من أعماقي وتساءلت: لماذا لم يستقر الإيمان في قلبي بعد على الرغم من طلبي له، والتماسي للعلم؟!

ناجيت الله بحرارة.. كنت أرتجف تأثرًا أثناء نطقي للكلمات التي كانت تخرج بصدق من داخل سويداء قلبي بينما تنهمر الدموع الساخنة على وجنتي في غزارة.. وظللت أبكي وأرتعش.. ثم فجأة أحسست بشعور عجيب توصلت معه إلى قناعة تامة مفادها أن نعمة الله عزّ وجلّ قد مستني وأن نور الإيمان قد غمر قلبي.. منذ تلك اللحظة الفارقة أصبحت مسلمة.. وحتى الآن لا يمر عليّ يوم دون أن أشكر الله عزّ وجلّ على ما وهبني من نعمة الإيمان.

لا تغلقوا الأبواب في وجوه الباحثين عن الله.. لا تحرموا أبناءكم من الإيمان بالحق..

بل لا تحرموا أنفسكم من النور الذي يملأ الكون ويمنحه قيمة الحياة..

سيصل الباحثون!! بكم.. بدونكم.. سيصلون.. فالله لا تحجبه الحجب..

اسألوا الله الهداية.. فبالله نهتدي إلى الله.

-----------------------------------

المصدر:

اللولو، هالة صلاح الدين (2005)؛ كيف أسلمت؟ دمشق: دار الفكر.

 


تعليقات (
0
)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.