عدد الزيارات: 264

بوابة العلم


إعداد: الدكتور/ أحمد محمد زين المنّاوي
آخر تحديث: 31/08/2019 هـ 01-01-1441

أفلا يتدبرون!! أفلا يعقلون!!

قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون!!

إنه الإسلام.. وحده الدين الذي يعلي من شأن العلم والعقل ويدعو أتباعه إليه!!

الدين الوحيد الذي يفسح المجال أمام غير المسلمين للدخول إليه عبر بوابة العلم..

بينما قديمًا كانت الأديان الأخرى تحاكم أتباعها لو حاولوا نشر العلم!!

أنشأت لهم محاكم مخصوصة سمّتها محاكم التفتيش!!

أعدمت العلماء الذين يعلنون اكتشافات علمية تناقض عقيدتها.. حرقت كتبهم.. عذبتهم..

لذا.. وجدت بطلة قصتنا في الإسلام مقصدها..

كيف لا وهو دين العلم.. دين يعلي من قيم التفكير والتدبر والعقل؟!!

فعندما حاربت الكنيسة العلم والعلماء في أوروبا أبعدت الناس عن معرفة الله تعالى فأصبحوا يعيشون في ظلمات الجهل.. كان وقتها الكرادلة والقساوسة يفعلون ذلك بغرض تحقيق المكانة الاجتماعية المميزة والثراء الفاحش مستندين إلى جهل الناس.. إن هناك علاقة طردية مباشرة بين تطور العلم ومعرفة الله سبحانه وتعالى الذي يتجلّى لأصحاب البصيرة النقية من خلال صفحات كونه المنظور.. لذلك علماء غربيون كثر دخلوا الإسلام نتيجة لهذه العلاقة، ومن بين هؤلاء الشابة البريطانية الدكتورة كريستين جاك هيلين بطلة هذه القصة..

إنها عالمة الذرة المعروفة التي دخلت الإسلام نتيجة لتكامل فطرتها النقية مع عقلها العلمي الواعي كتكامل مكونات الذرة من إلكترون ونترون وبروتون.. إن قصة الدكتورة كريستين الباهرة تعد واحدة من قصص كثيرة تؤكد أن إعمال العقل مع الفطرة السليمة يمثلان أقصر الطرق لمعرفة الله تعالى، لأن العالم يتعامل مع حقائق الحياة والكون بنظرة موضوعية لا تحيز فيها ولا انحراف.

ولدت كريستين جاك هيلين لأسرة نصرانية ذات مركز اجتماعي مرموق ووضع مادي ميسور مكَّناها من أن تلحق ابنتها كريستين الصغيرة بأرقى المدارس البريطانية وأغلاها.

منذ نعومة أظفارها برزت كريستين كطفلة مميزة تعتبر نسيجًا وحدها في كل شيء.. فكانت تختلف عن بقية أطفال بني جلدتها.. فهي تتمتع بالصفات الطيبة والأخلاق الكريمة التي جاء بها الإسلام برغم أنها لم تسمع به من قبل، ولكنها الفطرة السليمة أينما وجدت القيم الإسلامية النبيلة.. نعم، كانت تكره الكذب والنفاق والزيف وكل الصفات الذميمة التي وجدتها شائعة بين الكثيرين من أفراد قومها.

كافأ الله تعالى هذه الطفلة الصغيرة النقية بأن يسَّر لها السفر مع أسرتها إلى شبه القارة الهندية حيث عرفت -ولأول مرة في حياتها- أن هناك دينًا عالميًّا عظيمًا اسمه الإسلام.. أعجبت كريستين بالإسلام وانبهرت بالترابط المدهش المتين الذي يجمع بين أفراده عامة وبين أفراد كل أسرة مسلمة على وجه الخصوص.. لم تمنعها حداثة سنها وتواضع تجربتها في الحياة من أن تتأمل تماسك المسلمين وتطبّعهم بعادات واحدة طيبة وانسجامهم وتشابههم في الأحاسيس والمشاعر المرهفة تجاه بعضهم بعضًا في السراء والضراء.. قارنت الطفلة كريستين واقع المسلمين في هذا الجانب بواقع مجتمعها النصراني الذي يتسم بالأنانية المفرطة وحب الذات وجفاف العواطف.

من ناحية ثانية شدّها إلى المسلمين بقوة أداؤهم لصلاة الجماعة بالمسجد.. فقد انبهرت كثيرًا وهي تشاهدهم يقفون في صفوف متراصة تحيط بها -في هيبة وجلال- قيم السكون والطمأنينة والخشوع.. أحست في قرارة نفسها بأن هذه الطقوس مألوفة وليست غريبة عليها، بل شعرت بنفسها وكأنها تعرفها منذ صرخة ميلادها الأولى.. بعفوية شديدة وتلقائية أشد وجدت نفسها تنجذب إلى تعلم صلاة المسلمين، وتؤديها معهم وكأنها واحدة منهم.. كانت تشعر بنداء خفي -تحسه دون أن تسمعه- يدعوها للتردد على المساجد التي تعلق بها قلبها في حنو دون أن تدري السر الكامن وراء هذا التعلق المحبب العجيب. 

في البدء لم يقلق الوالدان بميول كريستين إذ كانوا يعتبرونها مجرد هواية طفولة عشقتها ابنتهم الصغيرة ولن تلبث أن تختفي لتحل محلها هواية جديدة تتسق مع سنها في مرحلة عمرية لاحقة.

الحقيقة خاب تقدير أسرة كريستين لميول ابنتهم المحببة، ولم يكن الأمر مجرد هواية عابرة، بل كان أكبر من ذلك بكثير، إذ ظل حبها للإسلام يزداد في الحجم كلما كبرت في السن.. فعندما أصبحت شابة يافعة تحول حبها إلى شغف محموم دفعها إلى البحث عن المعلومات والمعارف كافة التي تمكّنها من التعرف إلى تفاصيل هذا الدين القيم وتعاليمه.. وما أن بدأت رحلة بحثها حتى تحول عامل السن كمتغير في العلاقة الطردية بين حبها للإسلام وعمرها إلى متغير آخر هو عامل التعرّف إلى الإسلام، إذ أصبح حبها للإسلام يزداد كلما قرأت عنه حتى بدأت تلافيف الظلمات التي كانت تحجب عنها طريق الهداية تنقشع شيئًا فشيئًا كاشفة وراءها نور الحق المبين الذي أضاء بصيرتها فأيقنت أن الإسلام هو الدين القويم الذي اختاره الله سبحانه وتعالى لعباده من بني البشر.

عندها فقط توصلت أسرة كريستين إلى قناعة تامّة مفادها أن ميول ابنتها تجاه الإسلام لم تكن مجرد هواية عابرة تخمد بمرور السنين، وإنما تحول الأمر إلى عقيدة راسخة تتكسر دون الصخور الصلبة وإيمان متين لا تزعزعه أعتى العواصف والزلازل.. خافت أسرة كريستين من أن تهجر ابنتهم الحبيبة دين الآباء والأجداد، وتستبدل به دينًا غريبًا عليهم وافدًا من الشرق لا يعلمون عنه سوى أنه دين أهل الصحراء الذين وصفتهم الكنيسة كما وصفهم المستشرقون المغرضون بأنهم قوم بدائيون متخلفون لا يطبقون من القيم الإنسانية إلا نقيضها.. فكرت الأسرة المغلوب على أمرها حينذاك في أن تبعد ابنتها عن الإسلام بتحايل ذكي لا تحس به ألبتة وذلك خوفًا من أن يتملكها العناد فتزداد تمسكًا بالدين الجديد.. ولتنفيذ خطتهم عرض الوالدان على كريستين أن تحول مساق دراستها من الجانب الاجتماعي الإنساني إلى الجانب العلمي البحت.. فعل الوالدان ذلك من منطلق أن دراسة العلوم الطبيعية البحتة ذات الطبيعة المادية الجافة قد تبعد ابنتهما عن متابعة التعلق بالجانب الروحي للإسلام، ومن ثم يأمنا مغبّة تحولها عن النصرانية.

شعر الوالدان بقدر مهول من الراحة والاطمئنان حينما قبلت كريستين اقتراحهما، بل أحسا وكأنهما قد تخلصا من آلاف الأطنان من الركام الذي كان جاثمًا على صدريهما.. ارتسمت على وجهيهما ابتسامة كبيرة تنضح بالرضا، بعد أن شعرا بأنهما استطاعا أخيرًا أن يبعدا ابنتهما المحبوبة عن الإسلام.. لم تعترض كريستين على اقتراح والديها لأنها كانت تحب العلم بعمق، فضلًا عن الاتساق التام الذي وجدته بين طلبها للعلم وحبها للإسلام الذي عرفت من خلال قراءاتها عنه أنه يدعو إلى العلم ويحث عليه.

ولكن!!.. أتت رياح النور بما لا تشتهي سفن الظلام.. فقد حدث عكس ما توقع الوالدان بقدر ما تعني هذه العبارة من معنى، إذ إن كريستين زادت قربًا من الإسلام بدراستها العلمية، لأن الدراسة العلمية التي تلقتها اختصرت لها طريق الهداية وساعدتها كثيرًا على معرفة الله، لأن دارس العلوم يختلف عن غيره في سهولة وعمق تعرفه نواحي العظمة في الإعجاز في خلق الكون، وبالتالي يمكنه أن يبرهن من خلال آيات الله الكونية الباهرة وجود إله قوي عزيز مقتدر لا شريك له يسيّر أمور هذا الكون العظيم.

وحينما خاب مسعى الوالدين في كبح جماح ابنتهما عبر سلاح العلم الذي ارتد على نحريهما قاما باستخدام أسلحة كثيرة بين الترغيب والترهيب، ولكنها عجزت كلها عن إعادة قلب كريستين المؤمن إلى ظلمات الجهل والضلال.

وكمحاولة أخيرة لإعادة ابنتهما إلى ديانة الآباء والأجداد المحرفة، حاول الوالدان استخدام آخر طلقة تبقت معهما، إذ أحضرا لها شابًا نصرانيًّا ليتزوجها أملًا في أن يكون زواجها منه حائط صد منيعًا يحول بين قلبها والإسلام ويردها مرّة أخرى إلى عقيدة النصارى.. لكن!!.. وكغير عادتها، رفضت كريستين الشاب بشدة وسعت جاهدة إلى الارتباط بزوج مسلم يمثل لها صمام أمان يحول بينها وبين الردة التي سعى أهلها لدفعها إليها بشتى السبل.

وحقق لها الله تعالى ما أرادت فتزوجت من شاب هندي مسلم، ثم أشهرت إسلامها بعد أن غيّرت اسمها إلى أمينة محمد كيرال.. مرّت الشهور والأعوام وسارت بها سفينة الإيمان تمخر في سعادة عباب حياتها الروحية الجديدة مخلّفة وراءها -دونما حسرة- حياة الرفاه المغموسة في أسن المادة.. أنعم الله عليها بثلاثة ذكور أطلقت عليهم أسماء: محمد، وعمر، وعبدالله.. وبمعاونة من زوجها حرصت أمينة على تربية أولادها الثلاثة على قيم الإسلام وتعاليمه، حتى يشبوا أقوياء وقد تسلحوا في حياتهم العلمية والعملية بسلاح الإيمان.

إن قصة إسلام هذه العالمة تثبت أن العلم يختصر طريق العبد لمعرفة ربه، لأن العالم يتعامل مع حقائق الحياة والكون بنظرة موضوعية لا تحيّز فيها ولا انحراف، وبذلك فمن أراد أن يعرف الله تعالى حق المعرفة فعليه بالعلم.. وذلك على عكس النصرانية المحرّفة التي تحارب العلم بشدة، بينما يحث الإسلام على العلم ويدعو إلى استخدام العقل.. فما من موضوع في القرآن الكريم إلا فيه دعوة إلى التفكّر وإعمال العقل.. ومن بوابة العلم دخلت أعداد كبيرة من علماء الغرب في دين الله الحق، منهم الدكتورة أمينة محمد كيرال عالمة الذرة المعروفة وبطلة هذه القصة..

لذا يحق لنا أن نسأل كل فرد غير مسلم..

ما الخيار الأفضل بالنسبة إليك: ما أنت عليه من دين يصطدم بالعلم والعقل؟!

أم دين ليس فقط يوافق العلم والعقل بل يدعو إليهما؟!

الإجابة عندك.. أنت..

أما أنا فلا أملك لك غير النصيحة..

أسأل الله الهداية.. فبالله نهتدي إلى الله.

------------

المصادر:

الألفي، أسامة (2005)؛ لماذا أسلموا؟ القاهرة: أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي.

صحيفة الأنباء الكويتية (12 أغسطس 2010)؛ لماذا أسلموا: عالمة الذرة الدكتورة كريستين جاك هيلين.

عثمان، محمد عثمان (2004)؛ لمَ أسلم هؤلاء الأجانب؟ (ثلاثة أجزاء)؛ سوريا: حلب: دار الرضوان.

 


تعليقات (
0
)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.