عدد الزيارات: 593

سرادق العزاء


إعداد: الدكتور/ أحمد محمد زين المنّاوي
آخر تحديث: 08/12/2019 هـ 10-04-1441

من يحمل في صغره همّ ديانة واحدة لا يقتنع بها يحمل همًّا ثقيلًا..

فكيف بمن يحمل هم ديانتين لا يقتنع بأي منهما؟!

تثيران في نفسه الغضة من المخاوف والشكوك والآلام أكثر مما يتحمله طفل صغير..

إلا أن فطرته السليمة.. روحه الطاهرة تطيران به إلى سماء الإيمان.. إلى نور الإسلام.. نور الله خالقه..

بطل قصتنا كان متنازعًا بين ديانتين لم يقتنع بأي منهما: اليهودية ديانة آبائه وأجداده التي يتعصب لها أفراد أسرته والمسيحية الديانة المقررة التي يدرس تعاليمها بالمدرسة.. ظل تائهًا وسط غابة شائكة من علامات الاستفهام التي تحيط بها الحيرة حتى وجد ضالته المنشودة في الإسلام.. الدين الحنيف الذي وجد فيه إجابات شافية عن أسئلة محيرة ملحة كانت تقضّ مضجعه.. إنه الجندي اليهودي رافع شريف الذي اعتنق دينا قويمًا يمقته بنو جلدته من اليهود.

رافع شريف جندي يهودي عمل في الجيش الأمريكي عقب بلوغه سن الرشد وإن بدأ رحلته مع الإيمان منذ أن كان صبيًّا يافعًا لم يتجاوز العاشرة من عمره.. ظل رافع يلاحظ وجود تناقض محيّر بين ما يدرسه في المدرسة الأمريكية الكاثوليكية وما كان يتعلمه من والديه اليهوديين في المنزل.. جعله هذا التناقض يعيش بين مطرقة المدرسة وسندان والديه.. إن توقف عن مذاكرة دروسه عنّفه والداه وإن بدأ الدراسة بصوت مسموع إنهالا عليه بالضرب، وعنّفاه لترديده ما يسيء إلى الديانة اليهودية؟! وفي هذا الجانب يقول:

 "نشأت موزّعًا بين الديانتين اليهودية التي تدين بها أسرتي، والمسيحية الكاثوليكية التي كنت أتلقاها في المدرسة، وأجد معظم أصدقائي يدينون بها.. وفي الواقع أنني منذ طفولتي الباكرة وأنا أذكر أن مكانة المسيح التي يعطيها له المسيحيون وموقعه في الدين كانا يثيران في ذهني التشويش والاختلاط، ففي المدرسة كان المسيح إلهًا معبودًا، وكنت أجد زملائي يؤمنون بذلك حقيقة، فإذا ما ذكرت تلك الحقيقة في البيت كان جزائي الضرب من والدي الذي كان يحرص على الفكر الديني". النصارى يعتبرون يسوع إلهًا يعبدونه من دون الله، واليهود يعتبرونه ابن زنا مجهول النسب –العياذ بالله-!

وبذلك كان رافع شريف يجد نفسه تائهًا في هذه الفجوة السحيقة بين ما تؤمن به الأسرة وتعاليم المدرسة، ما حفزه على البحث عن حقيقة الأديان ودراسة الفروق بينها.

عندما تجاوز مرحلة الطفولة وبلغ السابعة عشرة من عمره، بدأ يحب القراءة بصورة عامة ويستمتع بالقراءة في مجال الأديان المقارنة على وجه الخصوص.. ساعدته قراءاته على استيعاب الكثير عن ديانات العالم ومعتقداته حتى وقعت يداه مرّة على نسخة مترجمة من معاني القرآن الكريم فبدأ يقرؤها.. وما أن فرغ من قراءة تلك النسخة التي أدهشه مضمونها حتى وجد أن الكتاب الذي بين يديه يحمل إجابات باهرة عن كل الأسئلة الحائرة التي كانت تعشعش في ذهنه منذ نعومة أظفاره.. وأكثر ما شده تجاه القرآن الكريم اشتماله على منهج متفرد للحياة وأسلوب مدهش لعقيدة مقنعة تجمع بين الدنيا والآخرة، وهو عين ما كان يبحث عنه ويشعر بحاجته إليه.

ومن الأمور العجيبة التي أثارت انتباهه وأراحت نفسه كثيرًا، مكانة السيد "المسيح" في القرآن الكريم، حيث ورد فيه باعتباره رسولًا كريمًا، ولكنه لا يمتلك صفة الألوهية مثله في ذلك مثل موسى ونوح وإبراهيم وغيرهم من بني البشر.. هذه النقطة الأخيرة أجابت له عن سؤال ظل يطرحه على نفسه منذ طفولته: "من هو عيسى؟".

وعلى الرغم من أنه وجد في الإسلام كل ما كان يبحث عنه فإنه لم يسارع إلى اعتناقه إذ شعر بأن الأمر يحتاج إلى المزيد من البحث وهو ما عبّر عنه بقوله: "لقد استغرقت بعض الوقت في الدراسة والاهتمام بالإسلام، وبدأت أتعرّف إلى جماعة من المسلمين وألتقيهم لأعرف أكثر وأكثر عن الإسلام، إلى أن استقر رأيي على الدخول في الإسلام". 

ومن بين العوامل التي شجعته على اعتناق الإسلام إعجابه بالمسلمين الذين تعرّف إليهم، إذ وجدهم يطبّقون تعاليم الإسلام كما ينبغي العمل والتحلي بها.. فتذكر حينها زملاءه وأصدقاءه القدامى الذين كانوا يرتكبون الحماقات والذنوب في العطلات الأسبوعية، ويعلنون توبتهم واعترافهم في الكنيسة، ثم يعودون إلى الممارسات نفسها في عطلة الأسبوع التالية.. فكان يشعر بأن ذلك نفاق وخداع في تعامل الإنسان مع ربه.

أخيرًا وعن قناعة تامة اعتنق "رافع شريف" الإسلام وظل يحرص على التزام تعاليمه.. صدم أهله كثيرًا باعتناقه الإسلام فظلوا يصرخون في وجهه ويبكون حتى صبيحة اليوم التالي ويعبرون عن خيبة أملهم في إسلام ابنهم اليهودي الشاب الذي يعمل جنديًّا في الجيش الأمريكي.. قاطعوه جميعًا استجابة لمعتقداتهم التي تقضي بقطيعة من يترك الديانة اليهودية، بل اعتبروه ميّتًا وأقاموا له سرادق العزاء، وعلى الرغم من كل ذلك فقد ظل رافع مرفوع الهامة كمسلم عزيز ثابت على إسلامه كمؤمن قوي الشكيمة لا يتزحزح عن إسلامه قيد أنملة.

برغم مقاطعة أهله ومناصبتهم له العداء، أصبح "رافع" يعتز بإسلامه أيّما اعتزاز ويتحلى بسلوكياته أيّما تحلٍّ، وكان يحرص على أن يكون قدوة حسنة لغيره فيحبب لهم الإسلام في شخصه كما أحبه هو بالطريقة ذاتها من آخرين.. وفي هذا الجانب يقول رافع: "إنني أحاول دائمًا أن أطبق المبادئ الإسلامية وأكون قدوة لغيري، حتى لا يعتقد الآخرون أني غير صادق أقول ما لا أؤمن به.. كذلك أقوم بدعوة زملائي للإسلام، فأنتهز فرصة وقت الصلاة يوم الأحد وأحاول إقناع زملائي بعدم الذهاب للكنيسة لأقرأ عليهم بعض الآيات القرآنية وتفسيرها، وما تحويه من معانٍ، ثم نبدأ في النقاش حول هذه المعاني التي وردت بها، ولكي أشجعهم على البقاء معي كنت أشتري الجرائد اليومية، وأقدم لهم القهوة في فترة الاستراحة، حتى أجتذب أكبر عدد ممكن منهم إلى جانبي لأحدثهم عن الإسلام".

فتأمّلوا كيف انتقل هذا الجندي الأمريكي في سلاسة من ظلمات ديانته اليهودية التي يكنّ أفرادها العداء للإسلام إلى نور الإسلام الذي لا يضمر العداوة لأهل الديانات الأخرى!! ثم عقب ذلك يتحدى مجتمعه بأكمله الذي يصر على تكبيله بتعاليم ديانته التي لا تحترم العقل، فيعتبرونه ميّتًا ويقيمون له سرادق العزاء، ولكنه يحيا حرًّا كريمًا في رحاب الإسلام..

إنه "رافع شريف" الداعية الإسلامي الجديد الذي أقضّ بإسلامه مضاجع اليهود..

فطوبى له ولكل من وجد طريق الحق فسلكه وتحمّل في سبيله أي عناء وأي عداء..

فمن يعادونك ليعيدوك إلى طريقهم.. طريق الضلال.. سيكونون أول من يتخلى عنك عند حسابك على السير في هذا الطريق..

سيبيعونك بلا ثمن ليتبرؤوا منك!!

سيهيلون عليك جبال ذنوبهم علّك تحملها عنهم!!

لا تطعهم.. أسلم.. تسلم..

اسأل الله الهداية.. فبالله نهتدي إلى الله.

----------------

المصادر:

عبد الصمد، محمد كامل (1995)؛ الجانب الخفي وراء إسلام هؤلاء؛ ثلاثة أجزاء؛ القاهرة: الدار المصرية اللبنانية للنشر.    

السنوسي، محمد السنوسي؛ مقال بعنوان: أخلاق الإسلام في نظر الغربيين؛ استرجع بتاريخ 27 إبريل، 2017 من موقع الوعي الإسلامي: http://alwaei.gov.kw

 


تعليقات (
0
)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.