عدد الزيارات: 51

في رحاب الأزهر


إعداد: الدكتور/ أحمد محمد زين المنّاوي
آخر تحديث: 01/01/2023 هـ 08-06-1444

التعارف.. من سنن الله في الكون..

التعارف على ثقافات بني البشر..

تعلم اللغات المختلفة المملوءة بالعلم والمعرفة..

السياحة والسفر في الأرض للتدبر في البلاد وآيات الله فيها..

من أهم مفاتيح الإيمان للقلوب المغلقة على ضلال..

شغف بطل قصتنا بهذه السنة من سنن الله هيأه للإسلام!!

ولد في فترة استثنائية كانت فيها أوروبا مضعضعة بسبب ويلات الحرب العالمية الأولى.. تلك الحرب المريعة التي تزامن انتهاؤها مع مولده مخلفة وراءها الدمار والخراب في نفوس الناس قبل المعمار.. نشأ كغيره من أفراد جيله بنفسية مشوهة تميل إلى العداء بسبب ما رأته عيناه من فظائع الحرب.. لكن وكما نور الشمس ينبعث من بين ثنايا ظلمة الليل هداه الله تعالى إلى الإسلام عبر بوابة اللغة العربية لغة القرآن الكريم.. إنه المستشرق الأسكتلندي داوود كاون الداعية الإسلامي المعروف بطل هذه القصة.

قضى بطل قصتنا سنوات عمره الأولى في ظل تلك الأجواء الكئيبة محاولًا التخلص من ذكريات الحرب البغيضة التي قتلت في نفسه كل جميل.. انتماؤه لأسرة نصرانية جعله لا يعرف عن الإسلام إلا معلومات شحيحة ومشوهة.

كانت نفسه تهفو إلى تعلم لغات جديدة تثري معارفه، وتربطه بإخوانه من بني البشر الذين لا يتحدثون لغته الإنجليزية.. هذه الميول والاهتمامات جعلته يداوم على ارتياد مكتبة مدينته الأسكتلندية.. وفي عام 1932م وفي إحدى زياراته للمكتبة شاهد إعلانًا عن دورة دراسية في باريس لتعليم اللغة العربية.. قرر دخول الدورة دونما تفكير طويل، دفعه إلى ذلك اطلاعه على مجلة تهتم بالعالم الإسلامي إذ حفزته موضوعات تلك المجلة على تعلم اللغة العربية حتى يتعرف إلى أبناء ذلك العالم القصي الذي لم يكن يعرف عنه الكثير سوى قصص ألف ليلة وليلة الأسطورية التي لا يعرف الغربيون غيرها عن الشرق والتي جعلتهم يتكئون على حائط من الجهل وهم يتأملون شاطئ قصصها الأسطورية دون أن يغوصوا في أعماق بحر المعرفة الحقيقية للإسلام والمسلمين.

شكلت دورة تعليم اللغة العربية التي تلقاها داوود كاون في باريس نقطة تحول كبرى في حياته، إذ جعلته أكثر استيعابًا للقرآن الكريم، حيث اكتشف لاحقًا أن ما تلقاه في تلك الدورة ليس سوى اللهجة العامية الجزائرية، لكن لم يصبه اكتشافه المتأخر ذاك بالإحباط وإنما دفعه إلى أن يلتحق بمعهد الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن لدراسة اللغة العربية الفصحى.. قضى كاون عامًا يدرس اللغة العربية في ذلك المعهد فخرج بقناعة تامة مفادها أن عليه دراسة هذه اللغة التي عشقها في أحد مواطنها.. فكر في الذهاب إلى الأزهر باعتباره من القلاع المهمة التي تدافع عن الإسلام واللغة العربية.. في عام 1933م خاطب الشيخ الواحلي إمام الأزهر آنذاك وأعرب له عن رغبته في دراسة اللغة العربية.. رحب الشيخ بطلبه، بل أرسل له مع رده هدية قيمة هي نسخة من كتاب تفسير القرآن الكريم للبيضاوي.

دراسة كاون السابقة للغة العربية مكّنته من الاطلاع على الكثير من مبادئ الإسلام وقيمه السمحة الأمر الذي جعله متعطشًا لمعرفة المزيد عن هذا الدين العالمي الذي يتسق مع الفطرة السليمة والذي أحبه بعمق حتى أن الكثيرين يقولون إنه أسلم بالفعل قبل وصوله إلى القاهرة.. عندما بدأ كاون دراسته بالأزهر شعر بالراحة التامة لقرار اعتناق الإٍسلام، لأن وجوده بالأزهر أتاح له التعرّف إلى مسلمين يختلفون في جنسياتهم ولغاتهم وأعراقهم وقاراتهم، لكنهم يتفقون في حبهم الخالص لله تعالى ولرسوله الكريم –صلى الله عليه وسلّم- فضلًا عن الرغبة الصادقة في تلقي المزيد من العلم.. نعم لقاؤه بهذه الكوكبة المميزة من المسلمين جعله يشعر بعالمية الإسلام وبحقيقة الطابع الإنساني للثقافة الإسلامية.

 مكث داوود كاون في مصر قرابة العام ونصف العام، وهي فترة مهمة في حياته قضاها في حي الحلمية الجديدة مع مجموعة من الطلاب الصينيين المسلمين الذين جاؤوا إلى مصر للتشبّع بالمعارف الشرعية والدينية الإسلامية، ومن ثم العودة إلى بلادهم للعمل في مجال الدعوة إلى الله تعالى وإلى دينه الحنيف. وخلال فترة وجوده بمصر شعر داوود كاون بالفرق الشاسع بين البلدان الإسلامية والبلدان الأوروبية، فبينما يجعل أسلوب الحياة المادي المرء في البلدان الأوروبية يحس بالاغتراب برغم وجوده وسط أهله، لا يشعر المغترب الغربي في بلاد الإسلام بالاغتراب والوحدة وذلك بما تملكه هذه البلدان من قيم سمحة وأخلاق كريمة، فهي لا تنسيه فقط مرارة الغربة وإنما تشفيه من أمراض الحضارة الغربية بما تجود به عليه من عاطفة جياشة وطاقة روحية لا تتوافران إلا في الدين الإسلامي.

عقب إكمال دراسته في الأزهر، عاد داوود كاون إلى بلاده ليكمل دراساته في جامعة لندن، بقلب مملوء بالإيمان وعقل معمور بالثقافة الإسلامية الأصيلة.. وما أن تخرج في جامعة لندن حتى تم تعيينه عقب الحرب العالمية الثانية ملحقًا ثقافيًّا في السفارة البريطانية في القاهرة، وقدّر له حينها أن تزوج زوجته الأولى المصرية التي أنجبت له ابنه "عادل" وابنته "منى".

عندما انتهت فترة عمله بالقاهرة عاد داوود كاون إلى بريطانيا حيث عمل مدرسًا وأستاذًا للغة العربية والأدب العربي في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، وهو الصرح ذاته الذي شهد بداية حبه وتعلقه وإيمانه بالإسلام.

وخلال فترة عمله بهذا المعهد أثرى كاون مكتبة الدراسات العربية والإسلامية بمجموعة كبيرة ومميزة من المؤلفات التي تتصدى لكتابات المستشرقين السلبية التي تعمل على تشويه صورة الإسلام والمسلمين، ولعل من أشهر هذه المؤلفات وأكثرها تأثيرًا كتابه القيم "مقدمة للغة العربية الأدبية المعاصرة" الذي تُرجم إلى عدة لغات. حبه للعلم جعله يتعلم خمس عشرة لغة، كان يتحدثها بطلاقة وقد كانت له بمنزلة المفاتيح التي مكّنته كداعية من نشر رسالة الإسلام إلى أقصى مدى وفقه الله تعالى لبلوغه.

وفي عام 2004م انتقل الدكتور كاون إلى رحاب الله تعالى وحتى لحظة انتقاله ظل يتواصل مع التراث العربي والإسلامي الذي أحبه كثيرًا، كما ظل يداوم على قراءة كتاب "إحياء علوم الدين" للإمام أبي حامد الغزالي، فضلًا عن مطالعته كتب التراث العربي والإسلامي وكان لا يفتأ يردد كلمات صادقة يؤكد عبرها أن اللغة العربية بحر عميق وعريض لا ساحل له ولا قرار، وأن الغربيين عجزوا عن فهمها، كعجزهم عن استيعاب أسرار القرآن الكريم ومعجزاته الباهرة فانقسموا إلى فريقين: فريق محايد يشوه الإسلام عن جهل وآخر معادٍ يشوهه عن قصد..

والمشوهون من الفريقين لم يفلحوا في تحقيق أهدافهم.. وإن اعتقدوا ذلك!!

فبرغم حملات التشويه ما زال الإسلام هو أسرع الأديان انتشارًا على وجه الأرض.. حتى في الدول التي تناصبه العداء!!

هي حرب خاسرة لا تنتهي!!

يشعلها الشيطان في قلوب غير المسلمين وعقولهم لما يعلمه من الخير الذي ينتظرهم في الإسلام..

يصدهم عن سبيل الله.. ويغريهم بأن يكونوا أعوانه في صد غيرهم!!

فهل تطيعون الشيطان؟! أم تسلِموا فتسلَموا؟!

اسألوا الله الهداية.. فبالله نهتدي إلى الله.

----------------------

المصادر:

الألفي، أسامة (2005)؛ لماذا أسلموا؟ القاهرة: أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي.

مجلة الفيصل؛ داود كاون: علاقته بالإسلام بدأت بعشق لغة القرآن؛ العدد 257/ السنة 1418هـ.

 


تعليقات (
0
)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.